ما تزال تداعيات الجدل المتصاعد الذي فجرته الهدية التي قدمها كاتب الدولة المكلف بالصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، لحسن السعدي، خلال زيارته الرسمية الأخيرة إلى العاصمة اليونانية أثينا، تلقي بظلالها على المشهدين السياسي والإعلامي بالمغرب، وسط تنديد واسع بما اعتبره مراقبون سقطة بروتوكولية ودبلوماسية غير محسوبة العواقب، تمس بالثوابت الدينية والهوية الحضارية للمغاربة.
وفي هذا السياق، كشفت مصادر مطلعة لـ”نيشان” أن ديوان كاتب الدولة، الذي يتشكل في عمومه من أعضاء ينتمون إلى حزب التجمع الوطني للأحرار، وتحديداً من أطر وتنظيمات شبيبته الحزبية التي يترأسها السعدي نفسه، هو من أشرف على كواليس هذه الخطوة ودبر تفاصيلها، بعيداً عن التنسيق القبلي المعتاد مع مصالح وزارة الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي، التي دأبت، وفق الأعراف المعمول بها، على إخضاع الهدايا المتبادلة في المحافل الدولية لرقابة وتدقيق صارمين يراعيان الحساسيات الدينية والمذهبية للدول المستضيفة، تفادياً لأي حرج سياسي أو بروتوكولي.
ووفقاً للمصادر ذاتها، فإن هيمنة المنطق الحزبي “الشبيبي” وغياب ذوي الاختصاص والدبلوماسيين المتمرسين عن دوائر القرار داخل الديوان، أسهما بشكل مباشر في هذا الارتباك؛ وهو ارتباك لم يقف، بحسب المعطيات نفسها، عند حدود إقدام مسؤول حكومي يمثل دولة إسلامية يرأسها أمير المؤمنين على تقديم رمز ديني مسيحي يثير نقاشاً عقدياً، بل امتد إلى ما وصفته المصادر بغياب التدقيق البروتوكولي، بعدما جرى إهداء صليب خشبي مصمم وفق الطراز اللاتيني الكاثوليكي ذي الذراع الواحد إلى قيادة الكنيسة الأرثوذكسية اليونانية، التي تعتمد في تقاليدها صليباً مختلفاً، ما جعل الخطوة تبدو، في نظر منتقديها، عنواناً على سوء تقدير للبروتوكول والحساسيات المذهبية، وأثار حرجاً داخل الوفد المغربي.
وتفيد المعطيات المرتبطة بالوضع الاجتماعي والاقتصادي للقطاع، بأن هذه التحركات الخارجية والتنقلات المتواصلة بين عدد من العواصم الأوروبية، من إشبيلية إلى أثينا، وما يرافقها من مصاريف تنظيمية ولوجستية تخص وفد الديوان، تأتي في مفارقة مع واقع الصناع التقليديين، خاصة حرفيي نقش خشب العرعار بمدينة الصويرة وباقي الأقاليم، الذين يواجهون أزمة خانقة بسبب الارتفاع الحاد في أسعار المواد الأولية، وركود حركة البيع والشراء، وضعف التغطية الاجتماعية والتحفيزات، في وقت يواجه فيه عدد منهم صعوبات معيشية ومخاوف من الإفلاس، وسط مطالب بتوجيه الدعم نحو السلاسل الإنتاجية وحماية أوضاع الحرفيين.
في المقابل، عبر عدد من المدافعين عن تحركات كاتب الدولة والجمعيات الشريكة في تنظيم هذه الفعاليات، من بينها جمعية الصويرة-موغادور، عن رفضهم لما اعتبروه حملة تضليل سياسي ومغالطات لا تعكس حقيقة الواقعة، مؤكدين أن إهداء منتجات العرعار يحمل أبعاداً ثقافية وحرفية تروم التعريف بمهارات الصناع التقليديين المغاربة في المحافل الدولية، والتسويق للمنتج الوطني في إطار الدبلوماسية الثقافية وقيم الحوار والتعايش، وهي مبررات لم تنجح، بحسب منتقدي الخطوة، في احتواء الجدل الذي أثارته الواقعة، وسط استمرار مطالب بضرورة احترام ضوابط التمثيل الرسمي للمملكة وتحييد الاعتبارات الحزبية عن تدبير مثل هذه الملفات.







