مع حلول ليلة عيد الأضحى، وإسدال الستار على أسبوعين كاملين من التوتر المتصاعد والاحتقان غير المسبوق في أسواق الماشية بمختلف ربوع المملكة، تتجه قراءات سياسية واقتصادية متقاطعة إلى تصنيف التعاطي الحكومي مع هذا الملف ضمن خانة “الإخفاق التدبيري الشامل”، بعدما وجد الجهاز التنفيذي نفسه في مواجهة محاكمة شعبية وسياسية تلقائية بددت ما تبقى من وعود “الدولة الاجتماعية”.
وترى مصادر مطلعة أن الأزمة الحالية، التي بلغت ذروتها عشية العيد، لم تعد مجرد اضطراب عابر في معادلة العرض والطلب بفعل الجفاف، بل تحولت، بحسب تقييمات عدد من متتبعي الشأن الفلاحي، إلى تجسيد لاختلالات بنيوية في السياسات الفلاحية، انعكست بشكل مباشر على القدرة الشرائية للمغاربة.
وتؤكد المؤشرات الميدانية أن المغاربة عانوا الأمرين طيلة الأسبوعين الماضيين جراء موجة غلاء فاحش استنزفت جيوبهم وأثقلت كاهلهم، في وقت سجلت انتقادات واسعة لما وصفته فعاليات مدنية ونقابية بتنصل شبه تام للحكومة من مسؤوليتها في ضبط الأسواق وحماية المستهلكين من المضاربات. كما اعتبرت هذه الجهات أن البلاغ الحكومي الذي صدر في هذا السياق جاء محتشماً ومحدود الأثر، قبل أن يتضح مع توالي الساعات صعوبة تنزيله على أرض الواقع، في ظل غياب إجراءات استباقية حقيقية.
وفي السياق ذاته، أعاد الواقع الميداني داخل الأسواق طرح تساؤلات بشأن الأرقام والمعطيات التي ظلت وزارة الفلاحة ورئاسة الحكومة تقدمها خلال الأشهر الماضية حول “وفرة القطيع” و”استقرار الأسعار”، بعدما أظهرت تطورات السوق معطيات مغايرة، دفعت مصادر نقابية وحقوقية إلى التشكيك في دقة بعض المؤشرات التي قُدمت للرأي العام، معتبرة أنها لم تعكس حجم الخصاص الحقيقي الذي تكشف عند أول احتكاك بالأسواق.
ويرى أشرف بنجدية، الباحث في الاقتصاد السياسي بجامعة محمد الخامس بالرباط، أن لجوء الحكومة إلى فتح باب استيراد الأغنام، مع تخصيص دعم بقيمة 500 درهم عن كل رأس مستورد، لم ينعكس بالشكل المنتظر على أسعار البيع لفائدة المستهلك، معتبراً في حديث مع نيشان “أن هذا الإجراء تحول إلى آلية لم تحقق الأثر المطلوب على القدرة الشرائية، في وقت سجلت فيه أسعار الأضاحي زيادات كبيرة تراوحت، بحسب تقديرات متداولة، بين 1000 و1500 درهم مقارنة بالسنوات الماضية، ما جعل اقتناء الأضحية خارج متناول عدد واسع من الأسر ذات الدخل المحدود والمتوسط.”
من جهتها، أكدت مصادر متطابقة من جمعيات لحماية المستهلك أن بعض التصريحات الحكومية، الصادرة عن رئيس الحكومة عزيز أخنوش ووزير الفلاحة، بشأن تنظيم نزول المربين إلى الأسواق وتدبير العرض والطلب، ساهمت في تكريس الانطباع بوجود تساهل مع استمرار الأسعار المرتفعة.
وترى المصادر ذاتها أن الخطاب الحكومي الذي برر الأسعار الحالية بعوامل الإنتاج وتكاليف التربية لم ينجح في تبديد غضب المواطنين، بل فتح الباب أمام مزيد من الانتقادات بشأن غياب تدخل فعلي للحد من المضاربات التي غذت موجة الغلاء.
كما أشارت المصادر، في حديثها لـ”نيشان“، إلى أن حديث المسؤولين عن وجود أضاحٍ بأسعار منخفضة لم يجد، بحسب تعبيرها، ترجمة ملموسة في الأسواق، وهو ما ساهم في تعميق مشاعر الغبن لدى فئات واسعة من الأسر التي وجدت نفسها بين ضغط الالتزامات الاجتماعية والدينية من جهة، والارتفاع الكبير للأسعار من جهة أخرى.
وتخلص التقييمات المتداولة عشية يوم العيد إلى أن المحصلة النهائية لتدبير ملف الأضاحي هذا العام أعادت إلى الواجهة النقاش حول فعالية السياسات الحكومية في حماية القدرة الشرائية، إذ ترى فعاليات حقوقية ومدنية أن الدولة لم تنجح في تحصين هذا الملف الاجتماعي الحساس من المضاربات والاختلالات السوقية، كما أن خطابها التواصلي لم يفلح في احتواء الغضب الشعبي أو طمأنة الأسر.
وتؤكد قراءات متقاطعة أن هذه المحطة ستظل واحدة من أبرز الاختبارات الاجتماعية والسياسية التي واجهتها الحكومة في تدبير ملف ذي حساسية خاصة، في ظل استمرار الجدل حول مسؤولية مختلف المتدخلين، وما إذا كانت هذه الأزمة ستفتح نقاشاً أوسع حول آليات ضبط الأسواق وربط المسؤولية بالنتائج.







