يتنازع المشهد الاقتصادي المغربي اليوم خطابان متوازيان؛ الأول صادر عن مؤسسات مالية وتنموية دولية تضع المملكة في صدارة الاقتصادات الصناعية بالقارة الإفريقية، والثاني يتشكل داخلياً من واقع اجتماعي مثقل بالبطالة واتساع طوابير حاملي الشهادات الباحثين عن فرص شغل محدودة.
هذا التناقض تجسد بوضوح عقب صدور أحدث التقارير التنموية الإفريقية التي صنفت المغرب كأكثر الاقتصادات تصنيعاً في إفريقيا، متقدماً على جنوب إفريقيا، في مؤشر يعكس تراكم ما يقارب عقدين من الاستثمارات الكبرى في البنيات التحتية اللوجستية والصناعية، من موانئ ومناطق حرة وشبكات نقل حديثة.
وترى مصادر اقتصادية تحدثت لنيشان أن هذا التموضع القاري يعكس نجاح المغرب في بناء قاعدة صناعية موجهة للتصدير والاندماج في سلاسل الإنتاج العالمية، خصوصاً في قطاعي السيارات والطيران، غير أن هذه الدينامية، بحسب المصادر ذاتها، لم تنجح بالوتيرة نفسها في إحداث تحول اجتماعي يواكب الطفرة الصناعية المسجلة على مستوى المؤشرات الماكرو اقتصادية.
وتفيد المعطيات المرتبطة ببنية القطاع الصناعي المغربي أن القطاعات التي تقود الصادرات الوطنية تصنف ضمن الصناعات كثيفة الرساميل وقليلة التشغيل، بحكم اعتمادها المتزايد على التكنولوجيا والأتمتة وخطوط الإنتاج الذكية.
ووفقاً للمصادر، فإن هذه الصناعات تحتاج أساساً إلى كفاءات تقنية وهندسية محدودة العدد، ما يجعل قدرتها على استيعاب الكتلة الكبرى من العاطلين، خصوصاً خريجي الجامعات ذات الاستقطاب المفتوح، ضعيفة نسبياً. وهو ما يفسر استمرار ارتفاع معدلات البطالة رغم التحسن المسجل في أرقام الإنتاج والصادرات.
وفي هذا السياق، تشير قراءات اقتصادية متخصصة إلى أن المغرب يواجه ما يعرف اقتصادياً بـ”النمو غير المشغّل”، حيث ترتفع مؤشرات النمو الصناعي والتبادل التجاري دون أن يواكبها تحسن موازٍ في سوق الشغل أو في المؤشرات الاجتماعية.
كما تفيد المعطيات بأن عدداً من الوحدات الصناعية الكبرى العاملة بالمناطق الحرة يشتغل وفق منطق التجميع والتركيب لفائدة شركات متعددة الجنسيات، مع اعتماد واسع على استيراد مدخلات الإنتاج، مقابل مساهمة محدودة للنسيج المقاولاتي المحلي في سلاسل القيمة الصناعية.
ووفقاً لمصادر نيشان، فإن ضعف الإدماج المحلي يظل أحد أبرز التحديات التي تواجه النموذج الصناعي المغربي، رغم الامتيازات الضريبية والبنيات التحتية الضخمة التي وفرتها الدولة لجذب المستثمرين الأجانب.
وتوضح المصادر ذاتها أن محدودية اندماج المقاولات الصغيرة والمتوسطة في المنظومات الصناعية الحديثة تؤدي إلى تسرب جزء مهم من القيمة المضافة نحو الخارج، بينما تتركز فرص الشغل المحدثة غالباً في وظائف منخفضة الأجر وضعيفة الاستقرار الاجتماعي.
ولا تتوقف الاختلالات عند طبيعة الإنتاج فقط، بل تمتد أيضاً إلى البعد المجالي، حيث يتكرس تدريجياً اقتصاد بسرعتين يعيد إنتاج الفوارق التقليدية بين المغرب الساحلي والمناطق الداخلية. فالمعطيات المتوفرة تشير إلى تركز الجزء الأكبر من الاستثمارات الصناعية بمحور طنجة ـ القنيطرة ـ الدار البيضاء، بحكم القرب من الموانئ والبنيات اللوجستية، في وقت تعاني فيه مناطق واسعة بالشرق والجنوب والوسط من ضعف الجاذبية الاقتصادية وندرة فرص الاستثمار والتشغيل.
وترى المصادر ذاتها أن استمرار هذا التفاوت المجالي يهدد بتحويل الصدارة الصناعية القارية إلى إنجاز رقمي محدود الأثر بالنسبة لفئات واسعة من المواطنين، خصوصاً في المناطق التي لا تستفيد بشكل مباشر من دينامية الاستثمار الصناعي.
كما تؤكد أن تقييم نجاح السياسات العمومية بالاعتماد فقط على مؤشرات الصادرات والاستثمارات الأجنبية لم يعد كافياً، في ظل تنامي النقاش حول العدالة المجالية وجودة فرص الشغل وقدرة النمو الاقتصادي على بناء طبقة وسطى مستقرة.
في المحصلة، يبدو أن الرهان الحقيقي للنموذج الصناعي المغربي خلال المرحلة المقبلة لن يقتصر على الحفاظ على الصدارة القارية في مؤشرات التصنيع والتصدير، بل سيتعلق أساساً بمدى القدرة على تحويل هذه الدينامية إلى نمو أكثر إدماجاً، يخلق قيمة مضافة محلية أكبر، ويوسع قاعدة التشغيل، ويضمن توزيعاً أكثر توازناً لثمار التنمية بين مختلف الجهات والفئات الاجتماعية.







