خرجة رشيد الطالبي العلمي الأخيرة في برنامج “للحديث بقية” لم تكن مجرد حوار سياسي عابر، بل تحولت إلى لحظة كاشفة لأزمة أعمق يعيشها الخطاب السياسي الرسمي في المغرب؛ أزمة تتعلق بالمصداقية، وبكيفية مخاطبة الرأي العام، وبالهوة المتزايدة بين ما يقوله المسؤولون وما يتذكره المواطنون جيداً.
الطالبي العلمي استعاد خلال الحوار عبارة “أعمال العقلاء تُصان عن العبث”، وهي عبارة تبدو في ظاهرها دعوة إلى التعقل والرصانة السياسية، لكنها في سياق حديثه أعادت طرح سؤال معاكس تماماً: من الذي يعبث فعلاً بالنقاش العمومي؟ ومن الذي يستخف بذاكرة المغاربة؟
رئيس مجلس النواب، الذي يُفترض بحكم موقعه الدستوري أن يكون مطلعاً على أدق تفاصيل قانون المالية، تحدث بطريقة توحي وكأنه يجهل أن الغلاف المالي للاستثمار العمومي في قانون مالية 2026 بلغ حوالي 380 مليار درهم، وهو رقم ضخم قدمته الحكومة نفسها باعتباره دليلاً على “الدولة الاجتماعية” وعلى الدينامية الاقتصادية والاستثمارية. هنا يصبح التساؤل مشروعاً: هل الأمر يتعلق فعلاً بعدم الإلمام بالأرقام الرسمية؟ أم أننا أمام محاولة واعية لتوجيه النقاش بعيداً عن الحقائق الرقمية كلما أصبحت محرجة سياسياً؟
لكن الإشكال لا يقف عند حدود الأرقام، بل يمتد إلى طبيعة الوظيفة الدستورية نفسها. فالدستور المغربي لسنة 2011 واضح في هذا الباب، إذ ينص الفصل 70 على أن البرلمان “يمارس السلطة التشريعية، ويصوت على القوانين، ويراقب عمل الحكومة، ويقيم السياسات العمومية”. كما يمنح لمجلس النواب آليات متعددة للمساءلة والرقابة، من الأسئلة البرلمانية إلى لجان تقصي الحقائق ومناقشة السياسات العمومية ومراقبة تنفيذ قانون المالية.
وهنا تظهر المفارقة بوضوح: فرئيس مؤسسة دستورية من المفترض أن تكون إحدى أدوات مراقبة السلطة التنفيذية، ظهر في الحوار وكأنه ناطق سياسي باسم الحكومة، لا رئيساً لسلطة تشريعية مستقلة يفترض فيها الحفاظ على مسافة مؤسساتية من الجهاز التنفيذي. لذلك لم يكن الانتقاد موجهاً لشخصه فقط، بل لطبيعة العلاقة التي أصبحت تربط بعض المؤسسات الدستورية بالسلطة التنفيذية، حيث تتراجع لغة الرقابة لصالح لغة التبرير والدفاع السياسي.
وعندما سُئل رشيد الطالبي العلمي عن التحقيق الذي نشرته إحدى المجلات بخصوص الدعم الممنوح لبعض مستوردي الأغنام، اختار الهروب إلى الأمام بدل تقديم أجوبة دقيقة للرأي العام، فرفض الاتهامات بشكل قاطع وأحال على ما نشره منبر إعلامي تابع لشركة يملكها رئيس الحكومة نفسه، في مشهد يعكس حجم التداخل بين السلطة والإعلام والمال.
المشكلة هنا لا تتعلق فقط بالدفاع عن الحكومة، بل بطريقة التعامل مع أسئلة مشروعة مرتبطة بالمال العام والدعم العمومي. فبدل الدعوة إلى تحقيق مستقل وشفاف يوضح للرأي العام حقيقة الاستفادة من الدعم وشروطه ومآلاته، تم اللجوء إلى رواية إعلامية صادرة من محيط الحكومة نفسها، وكأن المطلوب من المواطنين التسليم بالرواية الرسمية دون نقاش.
الأكثر إثارة للانتباه كان حديثه عن الزيادات الاجتماعية، حين قال سابقاً بصيغة مباشرة: “كنقولو للمواطن غادي نعطيوكم 2500 درهم زيادة… ألف درهم فالتقاعد… 300 درهم فكذا…”. واليوم، عاد ليقول إن المقصود كان رجال التعليم. هنا لا يتعلق الأمر فقط بسوء تعبير أو التباس سياسي، بل بمشكلة أعمق مرتبطة بطريقة صناعة الخطاب العمومي نفسه؛ خطاب يقوم على التعميم حين يكون الهدف سياسياً وإعلامياً، ثم يلجأ إلى التوضيح والتخصيص عندما تبدأ الأسئلة المحرجة.
وفي السياسة، الذاكرة ليست تفصيلاً ثانوياً. لذلك تبدو عبارة “وعود العقلاء منزهة عن الكذب” مرتبطة مباشرة بهذه اللحظة. لأن أخطر ما يمكن أن يقع فيه أي مسؤول ليس فقط التناقض، بل الاعتقاد أن الرأي العام لا يتذكر. وهنا تأتي المفارقة التي فرضها العصر الرقمي: شكراً لليوتوب، للأرشيف، ولذاكرة الإنترنت التي تحفظ التصريحات بالصوت والصورة، وتجعل أي محاولة لإعادة صياغة الوقائع محفوفة بالمقارنة الفورية.
المغاربة اليوم ليسوا كما كان يُعتقد سابقاً؛ لم تعد ذاكرتهم قصيرة، ولم يعد ممكناً تمرير الخطابات المتناقضة بسهولة. المواطن يسمع التصريح، ثم يعود إليه بعد أشهر أو سنوات، ويقارن بين ما قيل وما تحقق، وبين الخطاب والواقع. وهذه واحدة من أكبر الأزمات التي تواجه جزءاً من الطبقة السياسية اليوم: أزمة فقدان السيطرة على الرواية.
خرجة الطالبي العلمي كشفت أيضاً مشكلة أعمق تتعلق بعلاقة السلطة بالأرقام. ففي كل مرة يُطرح فيها سؤال حول الغلاء أو تراجع القدرة الشرائية أو اتساع الفوارق الاجتماعية، يتم الرد بالأرقام الضخمة: مليارات الدعم، مليارات الاستثمار، مليارات البرامج الاجتماعية. لكن السؤال الحقيقي الذي لم يجب عنه الخطاب الرسمي هو: إذا كانت كل هذه الأموال تُصرف فعلاً، فلماذا لا ينعكس أثرها بالشكل الكافي على حياة المواطنين؟
هنا يظهر جوهر الأزمة: الخلط بين الإنفاق والنجاعة. فالحكومة لا تُقاس فقط بحجم ما تصرفه، بل بمدى فعالية هذا الإنفاق وعدالته. صرف المليارات لا يصبح إنجازاً تلقائياً إذا ظلت الأسعار مرتفعة، والخدمات العمومية تعاني، والطبقة الوسطى تتآكل. لأن المواطن لا يعيش داخل جداول قانون المالية، بل يعيش داخل السوق، وفي فاتورة الماء والكهرباء، وفي تكاليف العلاج والتعليم والنقل.
ثم إن استعمال لغة “المجهودات” بشكل متكرر أصبح بدوره جزءاً من الأزمة. فالمواطن لا يرفض الاعتراف بوجود مجهودات، لكنه يتساءل عن نتائجها. وعندما يتحول أي نقد للسياسات العمومية إلى اتهام ضمني بالتشويش أو الجحود، فإن ذلك يكشف عقلاً سياسياً يفضل حماية الصورة بدل مواجهة الأعطاب الحقيقية.
ما قاله الطالبي العلمي لم يكن مجرد زلة لسان أو سوء تواصل، بل يعكس ذهنية سياسية ما زالت تعتقد أن التحكم في الخطاب يكفي للتحكم في الواقع. بينما الحقيقة أن الواقع أصبح أقوى من البلاغات، وأن المواطن صار يمتلك أدوات المقارنة والتوثيق والمتابعة.
لهذا، فإن المشكلة لم تعد فقط في الأرقام أو في التصريحات المتناقضة، بل في تآكل الثقة نفسها. لأن أخطر ما يمكن أن تصل إليه السياسة هو أن يصبح المواطن مقتنعاً بأن المسؤول يقول شيئاً اليوم، ثم ينفيه غداً، دون أن يشعر بأي حرج، وكأن ذاكرة الناس يمكن محوها بسهولة.
“أعمال العقلاء تُصان عن العبث”… نعم، لكن أول شروط صونها هو احترام الحقيقة، واحترام ذاكرة المواطنين، واحترام معنى المسؤولية السياسية قبل أي شيء آخر.
“أعمال العقلاء تُصان عن العبث”… لكن من يعبث بذاكرة المغاربة؟







