منذ تعيين بنعليلو على رأس هيئة النزاهة، ورحيل الراشدي المغضوب عليه من طرف أخنوش، سمعنا الكثير عن شراكات.. وشعارات.. ونوايا طيبة في بلد صار فيه الفساد مثل بحيرة دون ضفاف….
لم تنعقد لجنة محاربة الفساد التي جرت على الراشدي حملة شعواء بعد أن كشف أن رئيس الحكومة يتهرب من عقدها… كما لم نضع اليد على تقرير يقيس حمى الفساد التي صارت ملتهبة في جسد كل القطاعات.
مناسبة الحديث هي الشعار الذي حمله نشاط حضره بنعليلو والكاتب العام لوزارة التربية….”بذور النزاهة.. حصاد وطن بلا فساد”…
شعار جميل لكنه يكشف أن الهيئات التي يفترض فيها أن تحارب غول الفساد تفعل ذلك بسيف من خشب… وبالكثير من الإنشاء.
هيئة النزاهة أخطأت العنوان… وعوض أن تحصن قيم الشفافية داخل الوسط المدرسي، كان عليها أن تطرق باب الفساد القديم الذي يعشش في كل زوايا وزارة باب الرواح، والذي يملك الرجل الذي جلس بالقرب من بنعليلو مفاتيح علبته السوداء.
ملايين التلاميذ المغاربة الذين صاروا شباباً اليوم، بعد أن تزاحموا في فصول دراسية تشبه المعتقلات…
أو عصف بهم الهدر المدرسي.
أو صاروا ضحايا لتعليم خاص يبيع وهم الجودة.
أو هربوا بحراً وجواً من البلاد…. لا يعلمون أن هذا الرجل الذي أشرف على جميع الوصفات الفاشلة والمشاريع الفاسدة التي جُرّبت فيهم، لا يزال يملك منصباً بوزارة..بل سُلّم له منصب جديد بدعم من حزب الأحرار، حتى يمسح برادة يده من وحل صفقات المدرسة الرائدة….
هكذا بكل بساطة، ودون محاسبة عن الكوارث الفادحة التي تسبب فيها، والألغام الكثيرة التي زرعها في جسد التعليم العمومي، ما دمنا نتحدث عن أحد كبار عرابي البرنامج الاستعجالي الذي كلف المغاربة 3400 مليار سنتيم.
المبلغ قيل في عهد الوزير اخشيشن والوزيرة العابدة إنه سيعيد للمدرسة العمومية شبابها، لكنه انتهى في أرصدة عدد من مسؤولي الوزارة وبعض أصحاب الشركات والمقاولات الذين بقوا خارج المحاسبة….
ذات الأمر يسري على المسؤولين الذين استقدمتهم العابدة واخشيشن من وزارات أخرى، والذين خربوا المنظومة ورحلوا بأرصدة دسمة دون أن يتخلوا عن امتيازاتهم.
الأمر لا يتعلق بالبرنامج الاستعجالي فقط، مادامت اللائحة تضم أيضاً ملايير التكوينات، وملايير التعليم الرقمي، وملايير الامتحانات، وملايير البيداغوجيا، والتعليم الأولي، وصفقات السيارات…. وغيرها من الطناجر التي كانت تسيل بمرق المال العام.
اليوم واضح أننا خسرنا مئات الملايير تحت إشراف هذا الرجل الذي عاصر وزراء كانوا يتساقطون واحداً تلو الآخر قبل نهاية ولايتهم، فيما بقي هو صامداً لسبب لا يعلمه إلا من لا يزالون يتعاملون مع وزارة التعليم كحديقة خلفية..
لقد ارتبطت المنظومة خلال العقد الأخير باسم المفتش العام والكاتب العام الحالي الذي صار يدبر الوزارة مثل “قيصر صغير”، وطبيعي أن ترتبط الحصيلة الصفرية بشخصه تحديداً.
الكاتب العام الذي قفز بين منصب المفتش العام ومدير الممتلكات…
والذي وقع على وثائق سمحت بتقديم عقارات قيمتها مئات الملايير لأبناء مسؤولين حزبيين وسياسيين وبرلمانيين لتقام عليها مدارس خاصة بعد أن كانت مخصصة لبناء مدارس عمومية..
كما كان بمثابة العين التي يفترض أن تراقب مشاريع بآلاف الملايير، وهي المشاريع التي جعلت، (بعد تسريبات مدسوسة)، حوالي 400 مسؤول في التعليم ضيوفاً على غرف التحقيق في جرائم الأموال، مع استثناء صقور الوزارة، ومن ضمنهم طبعا من كان يفترض فيه أن يراقب “نهب المال”.
هذا الرجل الذي قضى 18 سنة في منصب المفتش العام، سُلّم له منصب جديد ، قريب من المرق الكثير الذي يسيل من صفقات الوزارة على عهد برادة.
الكاتب العام الذي عاصر 7 وزراء وكتاب دولة، والذي تحولت الوزارة في عهده إلى رحم يلد فضيحة تلو أخرى، بقي صامداً في منصبه بعد أن أفلت من زلزال الحسيمة، ومن تحقيقات البرنامج الاستعجالي، ومن قبضة الوفا رحمه الله، و صرامة حصاد، ومن وعد بلمختار الذي قال لي يوماً إنه اكتشف أشياء “خايبة” في صفقات الوزارة..
قبل أن يجد فيه برادة ضالته….
وإذا ضهر السبب بطل العجب







