مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر المقبل، يتصاعد النقاش في الأوساط السياسية والحزبية حول مدى قدرة الناخبين على ممارسة ما يُعرف بـ”التصويت العقابي” ضد حزب التجمع الوطني للأحرار، قائد التحالف الحكومي. غير أن قراءة الأثر المحتمل لهذا التصويت تظل مرتبطة أيضًا بالآليات القانونية والرياضية المؤطرة للاقتراع، وفي مقدمتها طريقة احتساب القاسم الانتخابي المعتمدة منذ تعديلات سنة 2021.
وبحسب مقتضيات القانون التنظيمي لمجلس النواب، يُحتسب القاسم الانتخابي على أساس مجموع الناخبين المسجلين في اللوائح الانتخابية العامة، وليس على أساس الأصوات الصحيحة المعبر عنها، وهو ما يجعل ترجمة التحولات التي قد يشهدها المزاج الانتخابي إلى تغيرات حادة في توزيع المقاعد رهينة بجملة من المعطيات الحسابية المرتبطة بطبيعة كل دائرة انتخابية.
وتُظهر محاكاة رقمية مستندة إلى المعطيات الرسمية الخاصة بعمالة أكادير إداوتنان، باعتبارها إحدى الدوائر الانتخابية ذات الحمولة السياسية والرمزية، حجم التعقيدات التي تحكم المنافسة على المقاعد البرلمانية في ظل النظام الانتخابي الحالي. ففي هذه الدائرة المخصصة لأربعة مقاعد بمجلس النواب، يتجاوز عدد الناخبين المسجلين 316 ألف ناخب، ما يعني أن القاسم الانتخابي يبلغ، وفق الصيغة القانونية المعتمدة، نحو 79 ألف ناخب للمقعد الواحد.
وتكشف هذه المعطيات أن بلوغ هذا السقف العددي من طرف لائحة انتخابية واحدة يظل أمراً بالغ الصعوبة في ظل نسب المشاركة المعتادة في الانتخابات التشريعية. فوفق النتائج المسجلة خلال الاستحقاقات السابقة، تتراوح نسبة المشاركة في عدد من الدوائر الانتخابية بين 40 و50 في المائة، وهو ما يجعل مجموع الأصوات الصحيحة المعبر عنها من قبل مختلف الأحزاب المتنافسة يدور، في كثير من الحالات، بين 120 ألفاً و140 ألف صوت.
ومن الناحية الحسابية، يعني ذلك أن أيًا من اللوائح الانتخابية المتنافسة قد لا تتمكن من بلوغ عتبة القاسم الانتخابي بشكل مباشر، الأمر الذي يجعل توزيع المقاعد يتم، عملياً، بالاعتماد على قاعدة “أكبر البواقي”. وفي مثل هذه الحالات، تتحول المنافسة الانتخابية من سباق نحو تحقيق أرقام مرتفعة من الأصوات إلى سباق نحو احتلال المراتب الأولى بين اللوائح المتنافسة داخل الدائرة الانتخابية.
وتشير سيناريوهات المحاكاة إلى أن فقدان حزب ما لجزء من رصيده الانتخابي لا يعني بالضرورة فقدانه لمقعده البرلماني. ففي دائرة انتخابية تضم أربعة مقاعد، على سبيل المثال، لا يكفي تراجع عدد الأصوات التي يحصل عليها الحزب المتصدر حتى يفقد مقعده، بل يتعين أن تتفوق عليه أربع لوائح انتخابية أخرى في عدد الأصوات المحصل عليها.
وفي حالة افتراضية يحتفظ فيها حزب التجمع الوطني للأحرار بخزان انتخابي يناهز 18 ألف صوت داخل دائرة انتخابية معينة، فإن فقدانه للمقعد النيابي يظل رهيناً بقدرة أربع لوائح منافسة على تجاوز هذا السقف العددي، وهو سيناريو يرتبط، بحسب مراقبين، بمدى قدرة الأحزاب المنافسة على تركيز أصواتها داخل الدائرة الانتخابية نفسها.
كما تُظهر الحسابات الانتخابية أن أثر المقاطعة لا ينعكس بالضرورة بالطريقة ذاتها على مختلف الأحزاب السياسية. فإذا اختار جزء من الناخبين العزوف عن التصويت، فإن ذلك يؤدي إلى تقليص عدد الأصوات المعبر عنها إجمالاً، دون أن يعني، بالضرورة، تراجع الكتل الانتخابية الثابتة التي تعتمد عليها بعض الأحزاب ذات الامتداد المحلي والتنظيمي.
وفي المقابل، فإن توزع أصوات الناخبين الغاضبين بين أربعة أو خمسة أحزاب مختلفة قد يفضي، من الناحية الحسابية، إلى المحافظة على ترتيب الحزب المتصدر ضمن المراتب الأولى داخل الدائرة الانتخابية، حتى وإن سجل تراجعاً ملحوظاً مقارنة بالاستحقاقات السابقة.
وتفيد قراءة المعطيات المرتبطة بالقاسم الانتخابي بأن النظام المعتمد منذ سنة 2021 يحد من احتمالات حدوث تغيرات عمودية وحادة في الخريطة البرلمانية، مقابل تعزيز منطق التوزيع الأفقي للمقاعد بين اللوائح المتنافسة. كما تجعل هذه الصيغة القانونية من حجم الأصوات المحصل عليها وترتيبها داخل كل دائرة عنصرين حاسمين في تحديد النتائج النهائية.
وبناء على ذلك، فإن السؤال الذي تطرحه انتخابات 23 شتنبر لا يتعلق فقط بحجم السخط الشعبي أو الرغبة في ممارسة التصويت العقابي، وإنما أيضا بمدى قدرة هذا المزاج الانتخابي على التحول إلى كتلة تصويتية مركزة وقادرة على إعادة ترتيب موازين القوى داخل الدوائر الانتخابية. فالأرقام، كما تكشفها عمليات المحاكاة، تشير إلى أن نتائج صناديق الاقتراع لا تحكمها موازين القوى السياسية وحدها، بل تحددها أيضا القواعد الرياضية التي تؤطر عملية تحويل الأصوات إلى مقاعد برلمانية.







