لم تعد وفاة المهاجر المغربي عبد الرحيم فقير، أثناء توقيفه من قبل الشرطة بمدينة بولونيا الإيطالية، مجرد حادثة تخضع لتحقيق قضائي، بل تحولت في ظرف أيام إلى واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في إيطاليا، بعدما امتدت تداعياتها إلى الشارع والسياسة، وفتحت نقاشا واسعا حول أساليب تدخل قوات الأمن وحدود استخدام القوة.
فبينما يواصل القضاء الإيطالي تحقيقاته لكشف ملابسات الوفاة، تتزايد الضغوط على الحكومة الإيطالية من قبل أحزاب المعارضة والمنظمات الحقوقية، التي تطالب بكشف الحقيقة كاملة وترتيب المسؤوليات، في وقت تحولت فيه القضية إلى محور اهتمام إعلامي داخل إيطاليا وخارجها.
تحقيق قضائي تحت المجهر
تركز النيابة العامة في بولونيا على إعادة بناء الدقائق الأخيرة التي سبقت وفاة عبد الرحيم فقير، من خلال مراجعة تسجيلات كاميرات المراقبة، والاستماع إلى عناصر الشرطة وفرق الإسعاف، فضلا عن انتظار النتائج النهائية للتشريح الطبي.
ويبحث المحققون، بحسب وسائل إعلام إيطالية، في مدى احترام البروتوكولات المعمول بها أثناء عملية التوقيف، خاصة بعدما أظهرت مقاطع فيديو متداولة عملية تثبيت الضحية على الأرض من قبل عدد من عناصر الأمن، وهي المشاهد التي أثارت موجة واسعة من الجدل داخل البلاد.
ورغم تداول فرضيات متعددة بشأن أسباب الوفاة، فإن السلطات القضائية الإيطالية لم تعلن حتى الآن أي استنتاج نهائي، مؤكدة أن التحقيق لا يزال مفتوحا.
احتجاجات وضغط سياسي
القضية خرجت بسرعة من إطارها القضائي لتتحول إلى قضية رأي عام، بعدما شهدت مدن إيطالية عدة وقفات ومسيرات احتجاجية شاركت فيها جمعيات حقوقية وأفراد من الجالية المغربية، إلى جانب منظمات مناهضة للتمييز والعنف الشرطي.
وطالب المحتجون بإجراء تحقيق مستقل وشفاف، معتبرين أن الكشف عن الحقيقة يشكل اختبارا لمدى احترام المؤسسات الإيطالية لمبادئ المحاسبة وسيادة القانون.
في المقابل، أكدت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني أن التحقيق سيجري “بأقصى درجات الصرامة”، مع التشديد على ضرورة تحديد المسؤوليات إذا ثبت وقوع أي تجاوز، بالتوازي مع دعوتها إلى الحفاظ على النظام العام بعد الأحداث التي رافقت بعض الاحتجاجات.
متابعة مغربية حثيثة
على المستوى المغربي، دخلت وزارة الشؤون الخارجية على خط القضية منذ الساعات الأولى، مطالبة السلطات الإيطالية بإجراء تحقيق شامل وسريع يكشف جميع ملابسات الوفاة ويحدد المسؤوليات.
كما تتابع السفارة المغربية في روما والقنصلية العامة ببولونيا الملف عن كثب، بتنسيق مع أسرة الراحل والسلطات الإيطالية، فيما أعلن مجلس الجالية المغربية بالخارج مواكبته القانونية والحقوقية للقضية، مؤكدا ضرورة انتظار نتائج التحقيق الرسمي قبل استخلاص أي استنتاجات.
قضية تتجاوز حدود بولونيا
وتعكس التطورات المتلاحقة أن قضية عبد الرحيم فقير لم تعد مرتبطة فقط بوفاة مواطن مغربي أثناء توقيفه، بل أصبحت جزءا من نقاش أوسع داخل إيطاليا حول علاقة أجهزة الأمن بالمهاجرين، وآليات الرقابة على تدخلات الشرطة، ومدى فعالية منظومة المحاسبة في مثل هذه القضايا.
وفي انتظار ما ستسفر عنه التحقيقات القضائية، يبقى السؤال المطروح هو ما إذا كانت القضية ستنتهي باعتبارها حادثا معزولا، أم أنها ستقود إلى مراجعات أعمق في طريقة تعامل المؤسسات الإيطالية مع مثل هذه الوقائع، خاصة في ظل استمرار الضغط الحقوقي والإعلامي وتزايد الاهتمام الدولي بالملف.







