في الذكرى الأربعينية لرحيل محمد بنسعيد آيت يدر اخترنا في “نيشان” أن نقدم مقتطفات هامة من مذكراته التي صدرت عن مركز محمد بنسعيد آيت يدر للأبحاث والدراسات تحت عنوان “هكذا تكلم محمد بنسعيد” والذي القيادي اليساري والكاتب عبد الرحمان زكري، باعتبار الأحداث الهامة التي عايشها الراحل بنسعيد الذي عاشر ثلاثة ملوك، وكان في قلب الأحداث اللاهبة منذ الخمسينيات من القرن الماضي حتى وفاته،لعب دورا أساسيا في خلايا المقاومة وجيش التحرير، انخرط في حزب الاستقلال باكرا، وكان من أقطاب حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، حكم عليه بالإعدام غيابيا وتعرض لأكثر من محاولة تصفية واغتيال، حتى تأسيسه لمنظمة 23 مارس وبعدها منظمة العمل الديمقراطي الشعبي وصولا إلى الحزب الاشتراكي الموحد.. في مذكرات نصادف أحداثا ووقائع مفصلية في تاريخ المغرب المعاصر باستعادتها ومحاولة تجديد قراءتها فهم لواقعنا السياسي ولمسار أمة تطمح لحقها في الكرامة والتقدم والتنمية.
- الحلقة الأولى:
نشأت يتيم الأم وبعت بونات المواد الغذائية
ولدت عام 1925 بقرية تين منصور باشتوكة آيت باها، وسط عائلة متوسطة تمتهن الفلاحة والتجارة، وتتمتع بنفوذ كبير بالمنطقة. حرمت من حنان الأم وأنا في سن الطفولة، فقد توفيت والدتي وعمري لم يتجاوز السادسة، وهكذا نشأت يتيما بالرغم من أن والدي تزوج بعدها بوقت قصير.
ما تحتفظ به ذاكرتي عن هذه المرحلة هو أن زوجة والدي الجديدة، أدخلت إلى بيتنا المشبع بتقاليد بيئة الفلاحين نمط حياة مختلف، وعوائد أخرى لا عهد لنا بها نظرا لأنها كانت سيدة حضرية تنحدر من المدينة. فبلمسة واحدة من زوجة والدي هذه تبدلت كثير من عاداتنا البيتية في الأكل والتربية والسلوك.
لم يكن عمري يتجاوز الرابعة حين التحقت بالمسيد الكائن بقريتنا. حفظت القرآن، وتمكنت من إخراج 13 سلكة من ستين حزبا، استظهارا واحدا بثلاث قراءات منها قراءة المكي(…)
كنت قد بلغت الثالثة عشرة عندما انتقلت بموافقة والدي إلى المدرسة الشيشاوية، إحدى مؤسسات التعليم العتيق القريبة من قريتنا لدراسة الفقه والنحو، غير أني لم أقض بها سوى سنتين، وقد كنا فيها عددا محدودا من الطلبة محكومين بالعزلة.
وارتأيت أن أغيّر المدرسة بحثا عن فضاء أكثر حياة وحيوية يساعدني على الاستقلال
بشخصيتي والانعتاق من وصاية العائلة ومن مسايرة تقاليدها المفروضة.
في بداية الحرب العالمية الثانية التحقت بمدرسة سيدي أبي عبد الله، الواقعة في
نواحي سيدي إيفني في منطقة وسط بين النفوذين الفرنسي والإسباني. يسّر لي الوضع المادي المريح لعائلتي سعيي للانتقال بعيدا عن بيت الأسرة والاستقلال بنفسي.
وقد صادف دراستي بمدرسة أبي عبد الله مجيءُ ما سمي ب”عام البون” الذي
ارتبط بتوزيع المواد الغذائية الأساسية بالرخص. ونظرا لممارسة والدي التجارة
وانتمائه لعائلة لها نفوذ بالمنطقة، فقد أسنِد إليه توزيع السكر والزيت وغيرهما من
المواد الغذائية، ووجدتني أربط علاقات بأعيان آيت باعمران وإيفني بفضل انتمائي
لدار آيت إيدر، وأنخرط في بعض المعاملات التجارية فأبادر بشراء رخص المواد
الغذائية (البونات)، وأعيد بيعها في المدرسة بالتقسيط بقصد تدبير أموري المالية.
كنت، وأنا أكبر الأبناء، قد حفظت ستين حزبا بأكثر من قراءة. وقد تضايقت من الفراغ الذي بدأت أشعر به فور انتهائي من مهمة حفظ القرآن كاملا وتعلم الكتابة بالحروف العربية. وبضغط من هذا الفراغ، وافقني الوالد على الانتقال إلى مدرسة تدرس العلوم العربية. تمكنت من مغادرة القرية في بداية الأربعينات متوجها إلى مدرسة قريبة شيئا ما (سيدي محمد شيشاوي) ، قضيت فيها حوالي سنتين أغلبها كان المعلم متغيبا فيها. ثم انتقلت إلى مدرسة أخرى تبعد كثيرا عن اشتوكة وتقرب من حدود منطقة آيت باعمران هي مدرسة أبي عبد الله، بحيث كان الوصول إليها يتطلب مني ركوب سيارة نقل من تينمنصور حتى تيزنيت، ثم أقطع المسافة الباقية راجلا من تيزنيت إلى المدرسة..







