في الذكرى الأربعينية لرحيل محمد بنسعيد آيت يدر اخترنا في “نيشان” أن نقدم مقتطفات هامة من مذكراته التي صدرت عن مركز محمد بنسعيد آيت يدر للأبحاث والدراسات تحت عنوان “هكذا تكلم محمد بنسعيد” والذي القيادي اليساري والكاتب عبد الرحمان زكري، باعتبار الأحداث الهامة التي عايشها الراحل بنسعيد الذي عاشر ثلاثة ملوك، وكان في قلب الأحداث اللاهبة منذ الخمسينيات من القرن الماضي حتى وفاته،لعب دورا أساسيا في خلايا المقاومة وجيش التحرير، انخرط في حزب الاستقلال باكرا، وكان من أقطاب حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، حكم عليه بالإعدام غيابيا وتعرض لأكثر من محاولة تصفية واغتيال، حتى تأسيسه لمنظمة 23 مارس وبعدها منظمة العمل الديمقراطي الشعبي وصولا إلى الحزب الاشتراكي الموحد.. في مذكرات نصادف أحداثا ووقائع مفصلية في تاريخ المغرب المعاصر باستعادتها ومحاولة تجديد قراءتها فهم لواقعنا السياسي ولمسار أمة تطمح لحقها في الكرامة والتقدم والتنمية.
الحلقة السادسة:
محمد الخامس أعطى الأسبقية لبناء أجهزة الدولة
تجنب القصر الملكي الدعوة في بداية الاستقلال إلى إنشاء مؤسسات ديمقراطية كما سبق أن وعد بذلك، واكتفى بتعيين مجلس وطني استشاري يقوم، إلى أجل غير مسمى، مقام مؤسسة دستورية، باتفاق ضمني مع الحركة الوطنية، بل سيعطي الملك الأسبقية لبناء أجهزة الدولة من إدارة وداخلية وبوليس وجيش…تم اختيار أطرها السياسية بذكاء وبدون أن يكون لقادة الأحزاب الوطنية دور ما في هذا البناء.
ويمكن للباحث ملاحظة ذلك في لائحة الستة عشر، من الفوج الأول لعمال المملكة، الذين نصبوا بظهير ملكي على المناطق الأساسية بالمغرب في 17 دجنبر1955، بعد تشكيل الحكومة الائتلافية الأولى؛ فالوحيد من جيل الحركة الوطنية الذي ورد اسمه في تلك اللائحة هو عبد الحميد الزموري كعامل على إقليم الشاوية. أما الأغلبية فقد تم اختيارها من ضمن ضباط سابقين في الجيش الفرنسي أو من العناصر التقليدية من أعوان المخزن، وكان ضمنهم عمال من عهد بن عرفة احتفظ بهم في مناصبهم. ولئن ضمت اللائحة بعض القياد الذين سبق لسلطات الإقامة العامة الفرنسية أن عزلتهم على خلفية موقفهم الوطني الرافض لعزل الملك الشرعي للبلاد… فما يثير التساؤل هو أن يكافأوا على تضحيات بسيطة، هي فوق ذلك واجب وطني، وهم الذين لم يكونوا يتوفرون على أية كفاءة إدارية أو علمية تستجيب لمتطلبات بناء دولة حديثة وعصرية حقا وفعلا…أكثر من ذلك، كان ضمن اللائحة رجال محافظون أميون حاملون لعقليات بدائية ومتخلفة ما تزال عهود السيبة شديدة الرسوخ في صدورهم وضمائرهم. ولذلك، لن نستغرب مثلا تصرف القائد لحسن اليوسي، عندما سيحرض عامل تافيلالت عدي أوبيهي على الرفض القاطع لتنصيب موظفين للحكومة في
وزارات مختلفة من صحة وبريد وداخلية وعدل…إلخ، وينتقل من العصيان، وهو الذي لم يمر على تعيينه سوى بضعة أشهر، إلى التمرد على الحكومة في بداية يناير1957 ، كما سنرى لاحقا. كما لن نستغرب تعرض الزعيم علال الفاسي لمحاولة اغتيال يوم 24 شتنبر 1956 أثناء قيامه بزيارة حزبية لبولمان من طرف أربعة أشخاص أطلقوا الرصاص في اتجاه موكبه ولاذوا بالفرار. ورغم خطورة هذه الأحداث، ستلزم الحكومة الصمت. وحتى الإذاعة كانت قد سكتت عن حدث محاولة اغتيال الزعيم علال الفاسي. والطريف أن مدير الإذاعة لم يكن سوى واحد من قادة الاستقلال وهو قاسم الزهيري، فأين موقف الدولة وأين موقف الحكومة أمام تلك الأحداث التي كان من شأنها إغراق البلاد في اضطرابات ومتاهات لا قبل لها بتحملها؟
بعد انتظار طويل لإقدام الحكومة على التجاوب مع مطلب المقاومة وجيش التحرير بفتح ملفات الخونة، كما رفعت الصوت بذلك هيئات المقاومين أكثر من مرة دون أن تجد أذنا صاغية، بادر جيش التحرير باعتقال أبناء التهامي الكلاوي وحجز قصوره. وقد قيل حينها بأن القصر لا يعارض في أمر حجز أملاك الكلاوي، ولكن أعقب ذلك تدخل الملك مباشرة لإيقاف كل المسلسل بإطلاق سراح أبناء الباشا وتسليم أملاكه للقصر الملكي ووضع هذا الملف على الرف.







