في الذكرى الأربعينية لرحيل محمد بنسعيد آيت يدر اخترنا في “نيشان” أن نقدم مقتطفات هامة من مذكراته التي صدرت عن مركز محمد بنسعيد آيت يدر للأبحاث والدراسات تحت عنوان “هكذا تكلم محمد بنسعيد” والذي القيادي اليساري والكاتب عبد الرحمان زكري، باعتبار الأحداث الهامة التي عايشها الراحل بنسعيد الذي عاشر ثلاثة ملوك، وكان في قلب الأحداث اللاهبة منذ الخمسينيات من القرن الماضي حتى وفاته،لعب دورا أساسيا في خلايا المقاومة وجيش التحرير، انخرط في حزب الاستقلال باكرا، وكان من أقطاب حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، حكم عليه بالإعدام غيابيا وتعرض لأكثر من محاولة تصفية واغتيال، حتى تأسيسه لمنظمة 23 مارس وبعدها منظمة العمل الديمقراطي الشعبي وصولا إلى الحزب الاشتراكي الموحد.. في مذكرات نصادف أحداثا ووقائع مفصلية في تاريخ المغرب المعاصر باستعادتها ومحاولة تجديد قراءتها فهم لواقعنا السياسي ولمسار أمة تطمح لحقها في الكرامة والتقدم والتنمية.
الحلقة التاسعة عشرة:
قضية الاعتقال السياسي شغلتني وأرسلت رسالة شفوية إلى الحسن الثاني بخصوص معتقلي قلعة مكونة
منذ عودتي إلى المغرب في 8 مارس1981 أصبحت قضية الاعتقال السياسي إحدى أهم القضايا التي كانت تشغلني. ولم يكن عدد من أعداد جريــــدة “انوال”، منذ انطلاقها في نونبر 1979 يخلو من مادة أو أكثر تتصل بهذا الموضوع. فبالإضافة لرفاقنا المعتقلين الذين كانوا يغذون الجريدة بكتاباتهم ومناظراتهم وعلى رأسهم رفيقنا الغالي الفقيد عبد السلام المودن وعلال الأزهر ورفاق آخرون…والذين كانوا بطريقة ما يجعلون موضوع الاعتقال السياسي، وخصوصا مقاومة هذا الاعتقال السياسي، دائم الحضور في الجريدة، إضافة لذلك، كانت أنوال تتابع نضالات المعتقلين وإضراباتهم وتحركات عائلاتهم ونضالات محاميهم وهيئات دفاعهم، وتنشر صورهم وبياناتهم، كما كانت تتابع محاكماتهم، وتكشف من خلال الأحكام التي تصدر الطابع السياسي والانتقامي لتلك المحاكمات والأوضاع المزرية للحريات في البلاد. وكنت من جانبي قد اتفقت مع الصحافي عبد الله رشد، (ابن جامع الفنا) على تحضير ونشر مواد عن الاعتقال السياسي وعن عدد من المقاومين الذين انتهوا نهايات مأساوية في الأقبية والمعتقلات السرية. في إطار هذا الاهتمام، كنت أتوفر على عدد من لوائح المحكوم عليهم في المحاكمات الشهيرة التي عرفتها البلاد كمحاكمة الرباط ومراكش، ومحاكمة الضباط المتهمين في انقلابي الصخيرات (1971) ومحاولة إسقاط طائرة الملك (1972)، ومحاكمة معتقلي 3 مارس 1973 ومحاكمات شباب الجامعات والثانويات في سنوات 1973 و1974..
كما كنت قد جمعت عددا من المعطيات عن عدد من المعتقلات السرية الرهيبة الموجودة في أماكن متباعدة من بينها درب مولاي الشريف ودار المقري وقلعة مكونة. في معتقل قلعة مكونة هذا، كان رموز معروفون من قادة جيش التحرير قد حشروا لمدة أربع عشرة سنة في شروط بالغة القسوة والوحشية أمثال قائد الرحى علي بويا ولد ميارة من رقيبات الشرق والوالي ولد بابيت قائد الرحى أيضا من قبيلة العروسيين وعدد آخر من رفاقهم بمقاطعات مختلفة لجيش التحرير بالصحراء المغربية.
من أجل هؤلاء القادة الذين كنت أكن لهم كل التقدير والاحترام، اغتنمت فرصة الاتصال بمستشار الملك الحسن الثاني ادريس السلاوي، وتقدمت له برسالة شفوية إلى الملك الحسن أؤكد له بأن تصرفات عمالة العيون والإدارة مع هؤلاء الأبطال في ذاك المعتقل السري يسيء بالغ الإساءة لموقف المغرب من قضية صحرائه، وكنت من ناحية أخرى قد أجريت اتصالا مع وزير الداخلية ادريس البصري أطلب رد الاعتبار لهؤلاء القادة المجاهدين، الوطنيين، رموز التضحية والتشبث والوفاء لوطنهم المغرب، وحل مشاكلهم. كنت قد قمت، على إثر خروجهم من دائـرة مجهولي المصير وإطلاق سراحهم، بزيارات لهم في بيوتهم بمدينة العيون، لأهنئهم وأجدد لهم تحيتي وتثميني لنضالهم وصمودهم وللتضحيات التي بذلوها في سبيل الوطن والقضية الوطنية.







