في الذكرى الأربعينية لرحيل محمد بنسعيد آيت يدر اخترنا في “نيشان” أن نقدم مقتطفات هامة من مذكراته التي صدرت عن مركز محمد بنسعيد آيت يدر للأبحاث والدراسات تحت عنوان “هكذا تكلم محمد بنسعيد” والذي القيادي اليساري والكاتب عبد الرحمان زكري، باعتبار الأحداث الهامة التي عايشها الراحل بنسعيد الذي عاشر ثلاثة ملوك، وكان في قلب الأحداث اللاهبة منذ الخمسينيات من القرن الماضي حتى وفاته،لعب دورا أساسيا في خلايا المقاومة وجيش التحرير، انخرط في حزب الاستقلال باكرا، وكان من أقطاب حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، حكم عليه بالإعدام غيابيا وتعرض لأكثر من محاولة تصفية واغتيال، حتى تأسيسه لمنظمة 23 مارس وبعدها منظمة العمل الديمقراطي الشعبي وصولا إلى الحزب الاشتراكي الموحد.. في مذكرات نصادف أحداثا ووقائع مفصلية في تاريخ المغرب المعاصر باستعادتها ومحاولة تجديد قراءتها فهم لواقعنا السياسي ولمسار أمة تطمح لحقها في الكرامة والتقدم والتنمية.
الحلقة العشرون:
سيدتان من عائلة المعتقلين كانتا السبب في تعرفي على وجود معتقل الجحيم
عندما طرحت في البرلمان قضية معتقل تازمامارت السري كنت قد استقبلت، عن طريق الرفيقة نزهة العلوي، السيدتين زوجتيْ النقيب صالح حشاد والرويسي اللتين قدمتا لي ملفا يضم سبعة وعشرين من معتقلي هذا السجن السري الرهيب يتعرضون لموت بطيء غاية في القساوة والوحشية، بعدما ألقي بهم هناك في زنازن مظلمة وباردة أشبه ما تكون بقبور، في عزلة تامة عن العالم، عالم الحياة، حيث لا مراقبة طبية ولا تغذية لائقة …كانوا قد تركوا ليواجهوا المصير المجهول كأنهم وضعوا عنوة على طريق الموت. وما تزال على قيد الحياة حالات أخرى تقارب نفس العدد يقاسون من نفس الشروط المذكورة وفي طريقهم إلى نفس المصير المجهول.
طلبت مني السيدتان أخذ هذه القضية بيدي والمبادرة بطرحها وفعل شيء قبل فوات الأوان. استقبلت الطلب بالرحب والسعة واعتبرته من أولى الواجبات وعبرت عن استعدادي لعمل كل ما بإمكاني عمله. فكان أن طرحت الموضوع على زملائي في البرلمان من الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية وحزب الاستقلال وحزب التقدم والاشتراكية، قصد إعطاء المبادرة سندا أكبر إذا ما تم طرح الموضوع كسؤال لوزارة العدل من قبل أكثر من قوة سياسية وأكثر من برلماني. وكنت أظن أن زملائي قد يطرحون هذا الموضوع حتى على قوى سياسية أخرى في البرلمان ولو على سبيل الإحراج. غير أن الزملاء، رغم تقديرهم المبدئي بدون شك لأهمية الموضوع، لم يتحمسوا ولم يبدوا كبير استعداد للذهاب أبعد، أي إلى حد طرح سؤال في هذا الموضوع داخل قبة البرلمان.
بعضهم قال لي بأن أوان طرح هذا الموضوع لم يحن بعد، وبعضهم الآخر رأى في طرح الأمر بداية لمعركة لايبعد ميدانها كثيرا عن منطقة الخطوط الحمراء إن لم يكن واقعا فيها فعلا، ففضل “التعقل” والسلامة. وكان ألمي أشد عندما لقيت تحفظات ومعارضة حتى من قبل بعض أعضاء هيئة تحرير جريدة “أنوال”، تخوفا من تعرض الجريدة للتوقيف أو الحجز بسبب ذلك. ولكن الملك الحسن الثاني فهم الرسالة، إذ على العكس من توقعات المتخوفين، سيصدر عفوا عاما عن هؤلاء وعن بعض المهاجرين في الخارج، خاصة وقد تكثفت الضغوط الخارجية الإعلامية والسياسية الحقوقية على النظام بسبب هذا المعتقل، وتدخلت فيه عدة شخصيات منها زوجة الرئيس الفرنسي فرانسوا ميتران.. في 15 شتنبر 1991 سيتم إغلاق هذا المعتقل‐العار، وللأسف، لم يغلق معه ملف الاعتقال السياسي الذي سيشهد فصولا أخرى، كما ستفتح سجون أخرى لتغيب ظلمتها وجوها أخرى لأجيال أخرى.







