لقد حول نمط الاستهلاك الحالي -المتسم بالإفراط -الانسان الى طبقة جديدة من العبيد new slaves مسلوبي الحرية بإرادتهم وبسعي منهم، تحت دافع الاكراه المعنوي، والاستسلام تحت وطأة وقوة لمعان الألوان ورونق الأشكال وضغط وكثافة الاشهار وتعدد الحاجيات من نوع واحد مع تنوع في طريقة ووسائل الجذب والإغراء لإيقاعه في فخ قبضة الشراء والاقتناء.
وأضحى الإنسان مكبلاً بسلاسل من القروض لا ينفك منها الا بجدولة القائمة للدخول في أخريات لإشباع حاجياته في الدراسة والسكن والسيارة والزفاف والسياحة وآخرها لشراء أضحية العيد، فاستغرقت المديونية وأقساطها الدورية كل رواتبه المحتملة والمستقبلية من عمل لم ينجزه بعد.
وبهكذا خطة وسياسة تم اخراس وإسكات وترويض كل حركات وأصوات الرفض والاحتجاج والمعارضة، بسبب ما سماه فوكوياما بالخوف السائل بحيث أذعن الكل لالتزام مواعيد الأداء والتنفيذ خوفا واتقاءً لجزاءات وعقوبات انهيار كل منظومة الأهداف والمعاني والمشاريع الشخصية غير المحققة وغير المكتسبة بعد؛ وحلمه الوحيد في استكمال ذلك.
فأذعن الإنسان لإجراءات وخطط التضييق الممنهج عليه عبر اغراقه في دوامة الاستهلاك وجعله المسؤول الوحيد عن وضعه وحاله، ووجد نفسه سجينا محاصرا في عالمه الخاص وبتهمة همومه الخاصة، الذي يتقاطع مع جل باقي افراد الجماعة النشيطين-في تشابهها وتماثلها وفي أنها من طبيعة واحدة، وفي انها أفقدت الفرد حريته وأثقلته ورهنته عبدا لدائنيه. الذي لجأ إليهم لقاء غرض شخصي مقابل التزام بالانضباط بالوفاء والبقاء في خدمته لمدة معينة، عادة تتحول الى دوامة مدى الحياة- مع بقاء الجميع متميزا عن الآخر فلكل قصته الخاصة.
وقد عاينت بحكم مهنتي كمحامي شبابا عاطلين كانوا يناضلون من أجل حقهم في الشغل، اختفوا من الساحة، والتزموا الصمت المطبق بعد أن استفادوا من قروض في إطار مبادرات لم تنجح، ولم يستطيعوا تسديدها، فأصابهم الذعر والرعب والخوف. ويسألونني عن احتمالات اعتقالهم؟ ومدة التقادم؟ واجراءات الاكراه البدني؟، وأفلت صدى نضالاتهم.
وظهر جيل جديد من الأفراد جنحوا الى معارضة ومقاومة كل أشكال الاضراب والاحتجاج، وجعلوا من أنفسهم حراسا لمصالح وأهداف الساسة والبنوك والشركات المتوغلة بذريعة خوفهم وخشيتهم من فقدان وظيفته وفرصة عملهم، الذي سيؤثر مباشرة وسلبا على الوفاء بتعهداتهم وعقودهم ويربك وثيرة هدفهم ومعناهم الجديد. الذي جعلوه في استكمال دفع أقساط ديون دائنيهم المتعددين في عتباتها المتنوعة وبمبالغ مختلفة.
وبذلك غيرت النظرة إلى قيم ومبادئ مقاومة ومناهضة الظلم والاستغلال والنضال من أجل استتباب الحقوق في مختلف تجلياتها، وفي اقامة العدل وتحقيق الانصاف، وفي الدفاع عن القيم المشتركة الى اعتبارها تهديدا لنظام الفرد اليومي بل العمري ككل، الذي اعتنقه ايمانا واختيارا، وواظب عليه أكثر من حرصه على إقامة الصلوات في أوقاتها.. فأصبح الفرد تائها في حلقات مفرغة بدون معنى ولا هدف.
فانقلبت القيم المجتمعية رأسا على عقب بعد أن تم القبول بكل المتناقضات والمتضادات، فلا تمييز بين الجميل والقبيح والأخلاقي وغير الأخلاقي… التي أصبحت فضفاضة عائمة من شدة عدم الاكتراث، ودخلت في النظام العام الجمعي باسم الحرية الفردية رغم انها تصرفات دخيلة غير أخلاقية كان المجتمع ينفرها ويرفضها ويقاومها في ثقافته الأصيلة، ولا غرابة في ظهور برامج من قبيل المواعدة العمياء وغيرها، والتي سيعجز القانون عن صدها لأنها سيل جارف بعد أن تم هدم كل الحدود الذاتية لمراعاة النظام العام الجماعي والنزوع الذاتي لحمايته.
وحق القول أن المجتمعات فشلت في تحديد المعنى الجماعي، ولم يعد الفرد يكترث الى صيانة هويته ولا يتطلع الى النهوض بقيم مجتمعه ولا الى حماية انتمائه الذي يتآكل مع مرور الزمن. ونحن اليوم نعيش لأنفسنا كأفراد وليس كجماعة وفقا لما يجب في إطار تجذرنا في التاريخ والماضي ولا تبعا لامتدادنا في المستقبل والاعتناء بالاستمرار.
ولا يعتبر فقدان الوعي والاحساس بالانتماء مجرد فراغ لمرض نرجسي بسبب المغالاة في الفردانية وفقا لتشخيص جيل ليبوفتسكي في كتابه عصر الفراغ: الفردانية المعاصرة وتحولات ما بعد الحداثة. مادام ذلك مجرد حكم ووصف يسلط على ما يظهر لنا من الأشياء، محل اهتمام المنهج الفينومينولوجي عند مارتن هايدجر وهرسل.
بل إنه هوة سحيقة وسقوط حر وخطر حقيقي داهم يظهر من خلال التركيز على معاني احتقار القيم المشتركة في إطار العلاقة بين الذات والموضوع. فهو ناتج عن عدم الاكتراث، الذي نتج عن حالة فراغ داخلي بسبب كثرة الأعباء او حتى بسبب الانتقام الفردي من وضع معين. وخطورته في أنه يحدق بالوجود الجماعي للجماعة في كينونتها وفي استمرارها ويتجاوز هموم الفرد وانشغالاته الخاصة التي تسببت في هذا الانفصام.
فالمس بهامش الحرية الفردية عبر الاجتهاد لخلق وصناعة نموذج معين وقالب محدد للفرد المطيع والصامت يؤدي الى الهاء وانغماس وانشغال الأخير بتدبير إكراهات حياته المعيشية. وينتهي به الأمر انتقاما أو جبرا تحت ضرورات الشخصي الى تجاوز القيم المشتركة بإهمالها والتخلي عنها وعدم الالتزام بها؛ في التضامن والمساعدة والمؤازرة والتضحية والوطنية. وأسقطها من أولوياته لأنها ليست هدفا له، ومجردة من معناه وعنايته وقاموسه الخاص الذي يعنيه مباشرة، بطغيان الأنانية. ولأنه وينظر اليها عبئا غير ملزم له بعد ظهور الدولة الاجتماعية التي تتولى ذلك.
وقد تنبه نيتشه إلى هذا الخطر واختار وجوب الاهتمام بالمعنى والهدف وجعله ضروريا في الحياة بغض النظر عن ماهيته. وأكاد أجزم أن عدم الاكتراث واللامبالاة الذي وقعنا فيه ناتج عن اعطاء الفرد الاهتمام لمعانيه الذاتية الضيقة ليس فقط بسبب أنانيته بل أدلجته خدمة فئة وفئات وتهميش المعاني الجماعية المشتركة، بعد أن ظفرت الدولة والتزامها برعايته ونمائه لدى نفس الفرد الذي نزعت منه هذا الاهتمام. وظهر عجزها عن الوفاء بهذا النماء، وزادها تعقيدا وصعوبة تأخرها في الولوج واستعمال الخوارزميات الرقمية الجديدة.
وبات الفرد بدوره ينظر الى هذه المعاني والقيم الجماعية أساس تماسك المجتمع وحافز الدفاع عنه واستمراره عبئا اضافيا يرهقه، لأنه في نظره ليس معنيا بها. وهو الخطر الداهم والحقيقي على الوجود الجماعي ككل.
*محامي بمكناس، خبير في القانون الدولي
والهجرة الدولية ومحلل سياسي







