“الرغبة في حشو الكيس بأكثر مما يتّسع له، يمزّقه” سرفانتيس
رغم العديد من التحولات التي تراكمت على سطح المشهد السياسي في المغرب المعاصر، لم ننجح، بشكل جماعي في تغيير صورة “السياسي” كما ترسّخت لدى المغاربة، حيث ظلت تمثلات المواطن لرجل السياسة خليطاً فضفاضاً، لأنها نفس الصورة التي سبق أن رسمت في المخيال الجمعي المغربي باعتبار “السياسي” إما انتهازيا مقامرا أو مغامراً انتحاريا.. لم يستطع لا الفاعل السياسي ولا المتتبع لخطاه إعلاميا ومؤرخا ولا المبدع في مجال اهتمامه مثقفا وفنانا… تحويل السياسة إلى فعل منتج في المجتمع، أو كما يعلمنا ابن خلدون “تحمل مسؤوليّة العامّة والأفراد على مقتضى النظر الشرعيّ في مصالحهم الأُخرويّة والدنيويّة الراجعة إليها”، والعمل السياسي كجزء من ممارسة الحق في المواطنة.
جل تصورات المغاربة عن “السياسي” لا تخرج عن ثنائية:
الانتهازي المقامر قنّاص الفرص الذي يجري وراء مصالحه الذاتية والأنانية جداً، حيث تغدو الوظائف السياسية والمهام التنظيمية في مركز حزبي أو نقابي أو في مؤسسة منتخبة أو مسؤوليات حكومية… مجالا للارتقاء الاجتماعي، ومنفذاً للغنيمة والريع الاقتصادي.. واستعمال الشعارات والمبادئ والوعود من أجل البحث عن مصالحه الخاصة لا من أجل الدفاع عنها وعن مصالح الموعودين من عامة الشعب..
الانتحاري المغامر الذي يُقبل على المحرقة بدون حساب للعواقب الوخيمة، السياسي هنا مليء بالاندفاع والتهور والطيش، نفسيته مشوبة بنوع من المازوشية أحيانا، أي التلذذ بتعذيب الذات إلى حد إقبارها في السجون والمنافي والغيابات القصرية بلا جثة ولا شاهدة قبر.. أو هو سيزيف عنيد تلقي به السياسة في أتون الجحيم، لأنه يظل يبحث عن الشهادة، ويرفض أي مساومة أو توافق كما تقتضي بذلك اللعبة السياسية ذاتها.
في حالة السياسي الانتهازي المستعد لكي يقامر بكل شيء من اجل ربحه الخاص، نجد أن المواطن المغربي يتصور دخول دائرة “السياسة” معناه اغتيال العقل وموت الواجب وضمور حس المسؤولية… انتعاش تنظيم الريع وقيم القبيلة وإحياء علاقات القرابة والدم مقابل اغتيال الكفاءة والحق في تكافئ الفرص، ونمو المحسوبية وسيادة قيم الفردانية “أنا وبعدي الطوفان”.. لا يتصور المواطن المغربي “السياسة” هنا إلا كقدر استثنائي لأفراد بدون وعي ولا مؤهلات مستعدين لبيع ضميرهم في المزاد العلني، إنهم يتسلقون سلالم الصعود الاجتماعي بسرعة البرق، يغيرون لون أحزابهم كما يغيرون جواربهم.
أما الصورة الثانية، فتختزل السياسة لدى العديد من المغاربة في صورة السياسي الانتحاري المغامر، فتحول “السياسة” إلى غول أسطوري يبتلع المشتغلين بحقله، تغدو الممارسة السياسية محملة بقيم الشهادة والاستشهاد، تقتضي روحا من المغامرة وتستوجب رجالات استثنائيين يتحولون بموتهم إلى رموز صالحة للتقديس، أو أن اندفاعهم الانتحاري لحظات
الفشل يتحول إلى اتهام بالتهور والاندفاع غير المحسوب.
والحقيقة أن هذه الصورة الثنائية ل”السياسة” ول”السياسي” قاتمة وفيها الكثير من التجني والتعميم الذي يقتل الحقيقة، إنها جزء من آثار التحديث المبتور وغير المتحكم في أدواته وبالتالي في نتائجه، إنه لا يعدم جزءا من الحقيقة، لكن تعميمها هو سبب كل الشرور التي احتفظ بها المخيال الجماعي المغربي عن السياسة.
والحق أن من يتحمل وزر مثل هذه التمثلات التيئيسية في السياسة إما بحسب الكلفة أو الغنيمة، هو التحول الاجتماعي والسياسي الذي حدث في قلب المجتمع المغربي منذ الاستقلال حتى اليوم، مما قلب سلم القيم وشجع على بروز أدواء جديدة في المشهد السياسي كالفساد، وتحول مناصب التسيير والمسؤولية العمومية إلى مصدر للثراء الشخصي، نسبة المعطلين في الانتخابات، طبائع الزبناء السوسيوديمغرافيين للسياسة عامة، ظاهرة الرحل، تحول الأحزاب من نمط الحزب التعبوي الذي يساهم في التنشئة السياسية إلى أحزاب متكيفة مع اتجاهات الناخبين، استعمال الأموال بشكل غير أخلاقي لدى نخب احترفت الانتخابات، الاعتماد على الأعيان والوجهاء، فرض مرشحين مظليين ينطلقون من أن الدائرة في الْجِيبْ.. كما أن السلطة السياسية استطاعت أن تخلق العديد من المهام أو “الوظائف” التي تجعل جل الفاعلين السياسيين يستفيدون من العمل السياسي، هذه الوظائف ربطت مسار النخب بعجلة النظام السياسي، بحيث أن الكل يمكن أن يخرج راضيا من “معركة” الصراع السياسي، شريطة عدم تحول المنهزم أو المنتصر إلى خصم جذري، لذلك نلاحظ مع أي تعديل أو تغيير حكومي أو مع أي انتخابات، هناك منصات شرفية تنتظر النخب والفاعلين السياسيين، وتصبح الخطورة هي في حالة ازدحام قاعة الانتظار بالأطر التي لم تجد لنفسها مقعداً، وفي عدم قدرة السلطة على إشباع رغبات هذه النخب التي تزداد شهيتها انفتاحاً مع كل تعديل أو انتخاب أو تعيين في مناصب سامية بل حتى ضمان التقاعد المريح للنخب السياسية.
جزء كبير من هذه الصورة ساهم في عزوف المغاربة عن خوض غمار الشأن السياسي مخافة من التلوث أو احتجاجا على صورة السياسي الانتهازي التي يزكيها قسط وافر من الممارسات التي يشهدها الواقع المغربي، حقيقة لا تمثلا فقط…
إن خطر هذا التصور الثنائي للسياسة في شقه الانتهازي المقامر أو المغامر الانتحاري يكمن في أنه لا يساهم في تحويل السياسة إلى فعل مدني/سلمي منتج في المجتمع، ويعرقل المشاركة السياسية لعموم الناس، التي تعتبر المنشط الحيوي للدورة الديمقراطية في حياة الأمة من خلال التعبئة، التي تخلق قيما جديدة وتساهم في تحديث المجتمع: العقلانية، قيم العمل، دمقرطة السلوك والعلاقات، مواجهة القيم التقليدية وتحويل مناصب المسؤولية إلى مزرعة خلفية للمنتفعين من السياسة.
إن عزوف المغاربة عن المشاركة في السياسة بشكلها التقليدي، يعود إلى عوامل مختلفة أهمها عدم اقتناع المغاربة بمردودية هذه المشاركة، لأن طموح التدرج في المواقع التنظيمية والسياسية مثلا غير مرتبط برغباتهم، وليس محددا بكفاءاتهم ومردوديتهم، إذ هناك اعتبارات أخرى مثل الأصول والوضع الطبقي والولاء غير المشروط للزعيم… لازالت لها اعتباراتها غير عقلانية.
للأسف أنه حتى في مغرب اليوم لم يستطع المغاربة التصالح مع “السياسة” كممارسة مدنية خارج مرجعية الانتهازي المقامر أو الانتحاري المغامر… فيما تزكي العديد من الممارسات واقع السياسي كانتهازي برغم خطأ التعميم، يتم الإعلاء من قيمة الشهادة والاستشهاد ويتحول الرموز السياسيون في هذه البنية إلى كائنات طهرانية تتعالى على واقعها..
ما أحوجنا اليوم إلى نظرة عقلانية للسياسة، نظرة توازي بين المنفعة الخاصة والعامة، تنتصر لقيم المواطنة وروح البراغماتية النبيلة خارج كل الميولات الانتهازية أو المغامرة الانتحارية.







