كان الطلبة الصحراويون المنخرطون في “حركة 23 مارس” و”إلى الأمام” يؤمنون بخلق البؤر الثورية التي لن تكتفي بتحرير الصحراء من الإسبان، بل ستزحف كأنوية ثورية متحركة على خطى “السيراماسترا” الذي قطعه غيفارا وكاسترو، من الجنوب نحو الشمال لتحرير الشعب المغربي من ربقة ما كانت تصفه أدبيات الحركة الماركسية اللينينية بالمغرب ب”النظام الرجعي الكومبرادوري”.
هذا ما جسدته مقالات الوالي مصطفى السيد بمجلة “أنفاس” وإن لم تشر إلى توقيعه، والمذكرة التي سلمها لقادة الاتحاد الوطني للقوات الشعبية وحزب الاستقلال والشيوعيين المغاربة، وهو ما فصل القول فيه أحد أطر اليسار السبعيني وقادة الاتحاد الوطني لطلبة المغرب في أكثر من مقال، يقول محمد المدلاوي المنبهي: “كان من بين الأفكار التحليلية المؤسسة حينئذ لنظرية “البؤرة الثورية” لدى اليسار المغربي، ضرورة الحيلولة دون استخدام النظام المغربي لأي طرح معين لملف الصحراء في اتجاه أو في آخر، ولأي تفاهم محتمل حولها خصوصا بعد زيارة وزير الخارجية الإسباني “لوبيز برافو” للرباط سنة 1970، وتسليم السلطات الإسبانية للمعارضين المغربيين أحمد بن جلون وسعيد بونعيلات، وقد نضجت فكرة البؤرة الثورية مع انعقاد المؤتمر الخامس عشر للاتحاد الوطني لطلبة المغرب، الذي شهد صعود التيار الجذري إلى قيادة المنظمة الطلابية القوية، والذي أدرج خلاله ذلك التيار ملف الصحراء تقية وسراً في أشغال “لجنة فلسطين”، التي كنت مسيرا لأشغالها ومقرراً لها، والتي حضر المرحوم الوالي مصطفى السيد مع بعض رفاقه المنحدرين من الأقاليم الصحراوية، أحد جلساتها التي خصصت للقضية، فألقى بالمناسبة عرضاً أمام أعضاء اللجنة كان عبارة عن تلخيص لما نشرته مجلة “أنفاس” في غشت 1972″. (الأحداث المغربية 17 نونبر 2004)
إن الحقيقة الثابتة في التاريخ هي الجغرافيا، تلك كانت حكمة بيسمارك قائد بروسيا وموحد ألمانيا، لكن في الصحراء حيث يمكن للمرء أن يموت بالعطش أو بالسيل، فإن سراب الصحراء يُخفي الكثير من معالم الجغرافيا التي تصبح بدورها متحولة مع تحرك الرمال التي تتلف آثار الطريق، وتحتاج إلى مكتشف أو رائد لا يكذب أهله.. أقصد حقائق التاريخ، تلك الواحات الخصبة التي تنقشع بين ركام كتبان الرمال بين الفينة والأخرى، وهو ما ينطبق على بداية نشأة حركة بوليساريو كحركة تحرير لا كحركة انفصال، قبل أن تتجاذبها رياح الأطراف المتنافسة نحو الهيمنة بالمنطقة والدول ذات الحنين الاستعماري.
لقد فقد مصطفى السيد الوالي بلده المغرب في متاهات الأحلام والانكسارات الموجعة والنزوعات الفردية، وفقد المغرب مناضلا فذا من حجم مصطفى السيد الوالي في اشتباكات ترتيبات السلطة الداخلية فيما يشبه حوادث سير التاريخ..
فهذا الشاب الصحراوي النحيف المتقد حماساً نضاليا، ازداد ببئر لحلو عام 1948 على زمن النكبة، لم يكن يحمل أي فكر انفصالي، منذ تدرجه في المرحلة التعليمية الأولى بالمدرسة الأصيلة “المحضرة”، استقر بطانطان عام 1958، وكان معروفاً بميولاته التحررية منذ صغره.
انتقل الوالي، الذي ينحدر من أبوين بسيطين، إلى تارودانت لإتمام دراسته الثانوية فمراكش، والرباط لإتمام دراسته الجامعية، حيث سينخرط في صفوف الحركة الماركسية اللينينية بجامعة محمد الخامس سنة 1970، وأصبح مناضلا في صفوف الاتحاد الوطني لطلبة المغرب في زمن هيمنة اليسار الجذري على الساحة الجامعية، نشر مقالا في مجلة “أنفاس” في دجنبر 1972 ويناير 1973 العددين 7 و8، لا يدافع فيه سوى عن تحرير الصحراء المغربية من الاستعمار الإسباني ملحاً على ضرورة تحرير الأقاليم الجنوبية قبل فلسطين، وقد نشر رفيقه في درب النضال مبارك بودرقة (عباس)، وثيقة بخط يد المرحوم مصطفى الوالي السيد في كتابه (“أحداث 3 مارس 1973 بوح الذاكرة وإشهاد الوثيقة” حوار محمد بياض) مما ورد فيها: “وكما أن تعاقب الدول والتنازع على السلطات وتناحر القبائل، أدت إلى ازدياد الهجرة لهذه المنطقة المحايدة الآمنة واللجوء إليها من كل مغلوب (يقصد الصحراء). بل وفي كثير من الأحيان الاعتصام بها من طرف الثائرين الذين يحضرون للانقضاض على أعدائهم. ونتيجة لهذه الهجرة المتعاقبة صوب الصحراء والمعاكسة أحيانا منها إلى المغرب، فقد كانت المنطقة مرتبطة ارتباطا وثيقا في غالب الأحيان بالسلطة القائمة في المغرب، وكثيرا ما كانت تمارس سلطات مركزية من قبل هذه الحكومات على سكان المنطقة، خصوصا في حالات الحروب. فكانت كثير منها تجند سكان المنطقة لنصرتها. ويمكن القول إن المنطقة كانت إقليما مغربيا كسائر الأقاليم المغربية الأخرى”.
سيرفع مصطفى الوالي السيد بصدد ذلك مذكرة سياسية عام 1973 لحزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية وحزب الاستقلال، والتقى العديد من زعماء المعارضة، على رأسهم علال الفاسي، عبد الرحيم بوعبيد، علي يعته والفقيه البصري، الذي قال عن الوالي: “كانت له روح المبادرة والاقتحام وتحمل المسؤولية، وكان يناقش تحت مسؤوليته ويتحمل نتائج أفكاره واختياراته، وشخصيا أعتقد أننا نحن الذين ضيعنا الوالي وضيعنا عدداً من أمثاله، فقد جاء إلينا وظل يطوف على الزعماء والقادة، وجاءنا إلى الخارج وهذه قصة أخرى”.. “حوار السيرة الذاتية للفقيه البصري” ط1، منشورات مؤسسة محمد الزرقطوني للثقافة والأبحاث، ص136).
لكن مبارك بودرقة كان أكثر تفصيلا للوقائع ولحيثيات المشروع باعتباره شاهدا وفاعلا أساسيا في تطورات الأحداث، يقول في الصفحات ما بين 321 و322 من كتابه “بوح الذاكرة”:
“عندما انتهينا من إيقاف النزيف وتضميد الجراح (إثر ما وقع في 3 مارس 1973 بخنيفرة ودار بوعزة)، أردنا ترسيخ هذا النهج بإيجاد بديل ثوري معقول وأكثر مصداقية. قلنا نحن أبناء الاتحاد ممن ارتضوا الكفاح المسلح خيارا، لم لا نفعل هذا الخيار في صحرائنا المحتلة من طرف الإسبان عوض تفعيله في خنيفرة أو تنغير أو الرشيدية؟
حصلت هذه الانعطافة الثورية ذات النفس التحرري من الاستعمار الإسباني لإيجاد مساحة محررة مكانه تمتد تدريجيا وتنتشر مثل بقعة زيت لتطال المغرب كله. جرى البدء في الإعداد لها خلال صيف 1973، ولهذا الغرض تم القيام بثلاث زيارات إلى تيندوف. ذهب آيت قدور (محمد) ثم الوالي مصطفى السيد (بعده) وأخيرا محمد بنيحيى ومحمد بوزاليم. تزامنت هذه الزيارات الثلاث مع الموسم السنوي لتيندوف وتمت كل زيارة بمعزل عن الأخرى للاستطلاع وجس النبض.
كان بوزاليم عضوا في جيش التحرير يتوفر على شبكة علاقات كبيرة ومتداخلة مع أهل الصحراء ممن يقصدون الموسم السنوي لتيندوف من مختلف ربوع الجنوب المغربي. عند عودته ضمن تقريره استعداد تجار أهل الصحراء ممن التقاهم في تيندوف لدعم هذه الحركة الثورية التحررية ومساعدتها ماديا. جاءت باقي التقارير لتؤكد نفس الأمر دعم تجار أهل الصحراء وحماس شبابها للانخراط في هذا العمل، وإدراك جيد للمجال وقدرة هائلة للتحرك فيه بيسر في اتجاه الساقية الحمراء وواد الذهب.”
ولأن الأمر يتعلق بأرض تقع عمليا على التراب الجزائري فلم يكن ممكنا انطلاق أي حركة مسلحة دون علم النظام الجزائري، يستمر عباس بودرقة في بوح الذاكرة قائلا: “بدورنا كنا نتوفر على السلاح اللازم لبدء العمل، بدا أن كل شيء بات جاهزا. لكن هناك ملاحظة مهمة أجمعت عليها تقارير الزيارات الثلاث لتيندوف جعلت قرار الانطلاقة عالقا ومعلقا لأنها ببساطة أكدت استحالة أي حركة أو سكون في تيندوف بدون علم وإذن السلطات الجزائرية. عندما أوقفنا النزيف سابقا وطوينا الصفحة في تلك الفترة، قصدنا دوائر صنع القرار هناك وعرضنا عليهم نهجنا الجديد ومطالبنا الملحة. أكدنا لهم أننا قطعنا مع مرحلة العمل المسلح انطلاقا من أراضيهم، تفاديا لأي إحراج قد نسببه لهم في علاقتهم مع المغرب. انتقلنا بعد ذلك إلى المطالبة بأمور تروم تسوية أوضاع إخواننا الذين اختاروا المنفى على أراضيهم .
طلبنا لقاء لدى الرئاسة الجزائرية لشرح المشروع التحرري ضد الاستعمار الإسباني انطلاقا من أراضي تيندوف. والأهم تقديم طلب للسلطات الجزائرية لغض الطرف عن تحركات المقاومين المغاربة فوق تلك الأراضي، باعتبارها لا تستهدف زعزعة استقرار الجزائر، بل تروم تحرير الصحراء المغربية من الاحتلال الإسباني.
تشكل الوفد المغربي الذي اتجه للقاء المسؤولين بالرئاسة الجزائرية من كل من عبد الغني بوستة والوالي مصطفى السيد، تم اللقاء مع ضابط جزائري بمؤسسة الرئاسة، استمع للعرض طويلا ووعد بالرد. انتظرنا الجواب، طال الانتظار وفمهنا الرسالة.”(م.س- ص333-334).
بين تصريحات الراحل الفقيه البصري وما جاء في مذكرات مبارك بودرقة التي كانت أكثر بوحا ومدعمة بالوثائق، تنتصب بعض البياضات، ما الغرض الرئيسي الذي كان لجماعة الخيار الثوري؟ المعلن هو العمل على تحرير الصحراء من يد الاستعمار الإسباني وانضمامها إلى المغرب واختيار تندوف كان بناء على أن أهلها من المغاربة هم أكثر من يقبل التعايش مع المغاربة المحررين الذين اتخذوها قاعدة خلفية لتحركاتهم، هل كان الفقيه البصري بهذه السذاجة السياسية وهو يقدم ما سيطلق عليهم “جماعة الصحراء” لنظام الهواري بومدين لنقول إنهم لعبوا به واستغلوا الشباب الصحراوي المتقد ثورة وحماسة ولعبوا من وراء ظهره واستخدموا الورقة لصالحهم؟ لم يكن تحرير الصحراء إلا جزءا من مخطط خلق بؤرة ثورية، أي أرض من داخل الوطن لإسقاط النظام وشن حرب عسكرية عليه، وهذا معناه أن نظام الحسن الثاني كان على علم دقيق بكافة التفاصيل والمخططات السرية، وقد نذهب بعيدا إلى أن القمع الذي ووجهت به مظاهرات طانطان كان رد فعل لمواجهة هذا المخطط، هل كان الفقيه البصري قد خطط لميلاد الجبهة بتنسيق مع الجزائر وليبيا دون علم باقي أطر منظمة الخيار الثوري كدأبه في اللعب على تناقضات الأنظمة في المنطقة والعمل بمبدأ “عدو عدوي صديقي”؟
يستطرد مبارك بودرقة في رسم الوقائع التي حدثت بعد عدم الرد الجزائري على المخطط: “في ظل ذلك الصمت الجزائري الحامل لمعنى، انعقد مؤتمر أكادير في صيف 1973، حضره إلى جانب الملك الحسن الثاني كل من الرئيسين الجزائري هواري بومدين والموريتاني المختار ولد دادة، تزامن هذا اللقاء على مستوى القادة مع تأسيس جبهة البوليساريو وتنفيذها لأول عملية ضد مركز إسباني.
بعد عودة الوالي مصطفى السيد من هذه العملية أخبرني، منتشيا بإطلاقهم للكفاح المسلح ضد الوجود الإسباني على التراب الجنوبي للمغرب.. لم يكن لديه البتة أي نزوع انفصالي في البداية ولا كانت للجزائريين عليهم دالة ولا وصاية. ذلك أنني كنت حاضرا ومنسقا رفقة إبراهيم أوشلح لأول لقاء جمع الوالي مصطفى السيد مع جلول ملائكة المسؤول عن ملف الحركات التحررية بحزب جبهة التحرير الوطني الجزائري.
كانت الأرضية المشتركة بيننا في البدء قائمة على هذا الأساس. تعاون بين التنظيم السري وبين مجموعة الشباب الصحراوي بقيادة مصطفى الوالي السيد لدحر الاستعمار الإسباني من الصحراء المغربية. يليه إيجاد مساحة تحررية يمكن تعميم تجربتها لتمتد شمالا. كل هذا تم ضمن إطار مشروع وحدوي، خال من أي نزعة انفصالية ودون تدخل الحسابات الإقليمية على الخط، ليبية أو جزائرية.
في خطوتنا تلك، كانت أكثر من رسالة، وأكثر من رهان. كنا شركاء في المشروع بأفكارنا وأطرنا وسلاحنا، لكن شاءت الإرادة الجزائرية لاحقا أن تفصلنا عن بعضنا لتنفرد بجبهة البوليساريو وتوجهها وفق بوصلتها”.(“بوح الذاكرة وإشهاد الوثيقة” م.س 329-330).
الوالي مصطفى السيد.. من وطني تحرري إلى لعبة بيد ليبيا والجزائر







