كيف تحولت حركة تحرير إلى حركة انفصال؟ كيف التقت مصالح أنظمة خارجية في رعاية بوليساريو؟ هل لا زالت بوليساريو نفسها غداة انطلاقها أم أن البنية السكانية ذاتها لسكان المخيمات أفرغت من البعد الثقافي والديمغرافي المعتمد لمفهوم السكان الصحراويين؟ كيف فقدت جبهة بوليساريو استقلالية القرار وتحولت إلى مجرد لعبة بيد حكام الجرائر؟
بعد 45 سنة من التيه، و29 سنة من حالة اللاحرب واللاسلم، والضياع في قلب صحراء لا نبت فيها ولا زرع، لم يعد السراب يغذي أوهام جيل من أبناء المخيمات الذين تلقوا تكوينا في جامعات أجنبية، ومع وسائل تكنولوجيا التواصل الاجتماعي أصبحوا يميلون إلى أن يعيشوا زمنهم وفق أحلامهم، وهو غير جيل الآباء من الأميين الذين أسلموا القياد بشكل أعمى لقيادة جبهة بوليساريو، جيل لم تعد تعني له مسكنات “الثورة” و”الكفاح المسلح” و”الشعب الصحراوي” واستعارة واقع الأرض بأسماء مطلقة على مخيمات في أرض أجنبية (مخيم العيون، مخيم الداخلة، مخيم أوسرد…)، أصبح يقارن بين الوضع هنا والوضع هناك، جيل متعطش ليحيى حياته بحرية وبكرامة، لذلك أصبحت الاحتجاجات والانتفاضات قوتا يوميا في مخيمات تندوف حتى في ظل التسلط العام لقيادة الجبهة التي لم يعد ممكنا أن تستمر في المتاجرة على حساب بضعة آلاف من السكان في حقهم في العيش الكريم وبحرية.. هذه التحولات اليوم فرضت مقاربة أخرى هي ما حاولت هنا أن أعالج بقد أكبر من التجرد والحيادية.
أطروحة بوليساريو.. من الحلم إلى الغبار
حدثان قويان كان لهما تداعيات كبرى على جبهة بوليساريو: سقوط جدار وانتصاب جدار آخر.. سقوط جدار برلين عام 1989 كان يعني نهاية الحرب الباردة، ومعها خفوت ذلك البريق الأسطوري للبؤر الثورية والأحلام الوردية لحرب التحرير الشعبية ضد الأنظمة الرجعية، ونهاية التقاطب الدولي مع انهيار إمبراطورية الاتحاد السوفياتي، إذ اتضحت معالم بوليساريو كحركة انفصالية لا كحركة تحرر وطني، لأنها لم تنطلق من داخل دولة محتلة، وظلت تستفيد من تناقضات أنظمة الحكم بالمنطقة في معاكسة وحدة مغرب يحاول بناء دولة عصرية عبر إبراء جراح الاستعمار الذي مزق مجاله الجغرافي.
وتتمة بناء الجدار الرملي عام 1989على امتداد 5500 كلم وارتفاع ثلاثة أمتار بمحاذاة الحدود الجزائرية ثم الموريتانية ويمتد من محاميد الغزلان إلى جبل كركر بالمحيط الأطلسي، كدرع أمني وقائي مجهز بآليات تقنية جد متطورة للرصد بالرادار وحقول الألغام، وكقاعدة إستراتيجية بخط دفاعي ضد هجمات بوليساريو التي اعتمدت خطة حرب العصابات.
إذا كان سقوط جدار برلين قد عرى بوليساريو من الغطاء الإيديولوجي وأبرز الإفلاس الفكري الذي اتكأت عليه لإبراز حجية الانفصال، فإن انتصاب الجدار الأمني بالصحراء، كان يعني ميدانيا حسم المعركة العسكرية لصالح القوات المسلحة الملكية.
قبلها كانت اتفاقية وجدة في 13غشت 1984 بين المغرب وليبيا وقيام الاتحاد العربي الإفريقي إعلانا عن تخلي الزعيم الليبي عن دعم ومساندة بوليساريو،
فباستثناء تواجد طلبة بوليساريو الممنوحين من الجماهيرية وأطلال مكتب الجبهة، انتفى أي تواجد دبلوماسي أو سياسي أو إعلامي من البلد الذي احتضن الحركة وموّلها، وشهد مخطط إعلان الجمهورية الصحراوية قبل الإعلان الرسمي في بئر لحلو في 27 فبراير 1976 بدعم كامل من النظام الجزائري.. كانت الجزائر قد استثمرت تناقض ليبيا والمغرب، فبدأت تشجع تحالفات المحور بالمنطقة لخنق الجار الغربي وإعاقة تحركه، وأحس الحسن الثاني بأن التحالف الجزائري والليبي
يهدد مصير الوحدة الترابية وسيخلق متاعب جديدة للمغرب، فكان الاتحاد العربي الإفريقي بين المغرب وليبيا بمثابة تجفيف أحد الينابيع الأساسية لدعم بوليساريو، لقد انبهر الكل بمعاهدة بدت غريبة وعصية عن الفهم، إذ علقت صحيفة “الغارديان” البريطانية في عددها ليوم 10 أكتوبر 1984، على الحدث باستغراب: “ليس من المعقول طبعاً أن يكون ملك المغرب المعروف بنزعته الليبرالية قد غيّر موقفه هكذا بالكامل لمجرد الأمل في قطع مساعدات القذافي عن جبهة بوليساريو أو من أجل إنعاش الاقتصاد المغربي الواهن بجرعات من النفط الليبي، فالملك الحسن الثاني أقدم فجأة على اتخاذ خطوة مدهشة حيث ربط نفسه بنظام سيء السمعة ينطوي على عداوة مكينة تستهدف وجوده شخصيا”.
ليس الأجانب وحدهم من أصيبوا بالدهشة بل إن المسؤولين الليبيين والمغاربة أنفسهم لم يصدقوا قرار الراحل الحسن الثاني بالوحدة مع ليبيا، يروي السفير محمد التازي قصة ميلاد الاتحاد العربي الإفريقي على لسان الحسن الثاني أثناء لقائه به يوم 29 غشت 1984 يقول: “بعد غد سيتم الاستفتاء على الاتحاد العربي الإفريقي مع ليبيا وبذلك تُفتح صفحة جديدة في المنطقة، وفي العالم العربي والإفريقي، هل علمت ألتازي بقصة هذا الاتحاد؟ قلت لجلالته لعله كان نتيجة لاتصالات ومحادثات طويلة مع العقيد. جلالة الملك: أبدا، أنا نفسي دهشت عندما أعلنت موافقتي على الوحدة، قد أُبلغت
أن مبعوثا ليبيا يحمل لي رسالة من العقيد وصل إلى الدار البيضاء، وهو السيد الزوي، فاستقبلته هو ورئيس المكتب الشعبي، وحضر المقابلة رضا اكديرة وإدريس البصري، وسلمني الزوي رسالة العقيد فقرأتها دياكونال بسرعة، ثم قلت مع نفسي، هذا القذافي الذي فشلت مشاريعه الوحدوية مع كل الجمهوريات التي تعامل معها، لم لا أدعه يجرب حظه مع ملكية لم يذخر جهداً ولا مالا وسلاحا لمحاربتها؟ عبرت للمبعوث الليبي عن موافقتي على كل الانتقادات التي وجهها العقيد للوضع العربي، وأننا إذا كنا عاجزين عن إقناع القادة العرب بتوجهاتنا، فعلينا أن نعطيهم المثال والنموذج، لماذا لا نحقق تعاونا مثاليا بين بلدينا؟
ويواصل جلالته طيب الله ثراه قائلا بعد أن غادر الوفد القصر عاد رضا وإدريس وعلامات الدهشة والاستغراب بادية على ملامحهما، وقال لي إدريس أن الزوي لم يصدق ما سمع، وكان يطلب مني أن أقرصه في ذراعه ليتأكد أنه صاح وليس بنائم، ويلح علي أن أعيد ما سمعناه من سيدنا، ويكرر حقا أني سمعت من جلالة الملك أنه مستعد لتحقيق الوحدة مع الجماهيرية؟
ويضيف جلالته ونظرت بعمق إليهما، ولعلي كنت أعرف ما يفكران فيه إن رضا انتقل بتفكيره إلى باريس وواشنطن، وما سيثيره إعلان الوحدة بين البلدين من ردود الفعل، وإدريس انتقل بفكره إلى الجزائر، وما سيكون له من انعكاس على علاقة ليبيا بالجزائر، وتأثيره على وضع بوليساريو”. (العلم عدد يوم 17- 11- 1999، وانظر كتاب السفير التازي “مذكرات سفير” الجزء الأول، مطابع الأنباء، ص 409-410).
وفي حواراته مع الصحفي إريك لوران أكد الملك الراحل أن هدف الوحدة مع ليبيا كان هو إخماد أحد المدافع التي تستعملها بوليساريو في قتل أبنائه في الصحراء. من يومها أصبحت الجبهة تسير على رجل واحدة مما جعلها رهينة للجهة اليتيمة الحاضنة، وهو ما كان له إسقاطات على الوضع الداخلي لقيادة بوليساريو بين تيار محمد عبد العزيز المراكشي الذي أغلق رأس الجبهة وسلم مفاتيحها للقيادة الجزائرية التي يرى في التحالف معها أمرا حتميا، وتيار البشير مصطفى السيد المتمركز في مخيمات لحمادة، الذي كان يرى في الخضوع والتبعية للجزائر انتحارا سياسيا، وظل يخاف على فقدان الدعم الليبي الذي سيكرس التبعية للجزائر ويحولها إلى كتيبة عسكرية تحت القيادة الجزائرية، لكن رياح الوقائع كانت أقوى من رغبة البشير السيد.
وقعت بوليساريو رهينة بيد المساند الوحيد بعد نهاية القطبية الدولية، فقد التقى الشرق والغرب أخيرا، بعد أن أشرقت شمس الديمقراطية، والقيم الكونية لحقوق الإنسان وانتصارات الاقتصاد الليبرالي، ولم يعد لمقولة الشرق شرق والغرب غرب ولن يلتقيا من مكان في عالم التكتلات الإقليمية.







