الزمان:
السبت 25 ماي 2024.
المكان:
قاعة المسرح الكبير “لوميير” في مدينة كان الفرنسية. المناسبة:
توزيع جوائز مسابقة “نظرة ما” في إطار مهرجان كان السينمائي.
الحدث:
رئيس لجنة التحكيم، المخرج الكيبيكي گزافيي دولان يقدم تقريرا حول الأفلام المشاركة، باللغة الإنجليزية. بعده تأخذ الكلمة أسماء المدير، المخرجة المغربية، كي تقدم أولى جوائز المسابقة باللغة الإنجليزية. تليها المخرجة الفرنسية من أصل سينغالي ميمونة دوكوري التي تكشف عن جائزة أخرى بالإنجليزية، ثم يأتي دور الممثلة اللوكسمبورغية ڤيغي كريبس التي ترطن بالانجليزية أيضا… وفجأة يهز أركان القاعة صوت غاضب: بالفرنسية من فضلكم!
ليظهر الارتباك على الجميع، وفي مقدمتهم تييري فريمو مدير المهرجان، الوحيد الذي تحدث بالفرنسية، دون أن يستطيع دفع لجنة التحكيم إلى مجاراته…
كما تدين تدان. ما تعيشه العربية على يد الفرنسية في المغرب، تقاسيه الفرنسية مع الإنجليزية في بلاد فولتير. المناسبة فرنسية على التراب الفرنسي، والمشاركون كلهم ينتمون الى الفضاء الفرنكوفوني، الكيبك والمغرب والسنغال، لكنهم اختاروا الحديث بالإنجليزية بدل لغة موليير، وسط سخط بعض الغيورين على لغتهم من بين المتفرجين. الفرنسية تضطهد العربية في المغرب، والإنجليزية تنتقم لها في فرنسا!
اللغة راية المنتصرين، في الحرب والسياسة والاقتصاد. عندما كانت حضارة المسلمين في أوجها، كانت العربية لغة العصر. اذا لم تتقنها لا يمكنك الإلمام بالعلوم والمعارف الأساسية، من الطب الى الفلك مرورا بالفيزياء والكيمياء والرياضيات. أتذكر أنني قرأت كتابا يضم رسائل متبادلة بين قساوسة في القرون الوسطى، يتحسرون على إقبال النخبة المسيحية على تعلّم العربية على حساب اللاتينية، أيام ابن باجة وابن طفيل وابن رشد وابن ميمون، وبقية العقول التي عبّدت الطريق إلى عصر الأنوار. طبعا، لكل شيء إذا ما تم نقصان، ومن سره زمن ساءته أزمان.
واضح أن الإنجليزية تنتصر في عصرنا الحاضر على بقية اللغات، ومن بينها الفرنسية، بالضربة القاضية. لغة شكسبير تسيطر على التواصل في مختلف أنحاء المعمور، في المهرجانات والمؤتمرات واللقاءات، الواقعية والافتراضية، وعلى وسائل التواصل الاجتماعي.
ما حدث في مهرجان كان، يعكس التراجع الكبير في نفوذ الفرنسية، داخل مستعمرات باريس القديمة وفي الفضاء الفرنكفوني، حيث تتخلى كثير من الدول، بشكل متدرّج، عن لغة موليير، في التعليم والإدارة، حتى إن بلدا مثل الغابون، وهو مستعمرة فرنسية سابقة، انضم رسميا الى منظمة “الكومنويلث” المرتبطة بالتاج البريطاني واللغة الإنجليزية، وفكّ ارتباطه بالفرنكفونية وعرابيها.
في المغرب أيضا، ليست صاحبة “كذب أبيض” وحدها من ينحاز إلى الانجليزية، بل جيل كامل من الشباب، أدار ظهره للفرنسية واختار التواصل باللغة الأكثر تداولا في العالم، في توجه براغماتي يدعو الى التفاؤل. “كون الخوخ يداوي كون دارا راسو”. لا معنى البتة أن نظل مرتبطين بلغة تفقد نفوذها، في وقت يتكلم فيه العالم برمته لغة أخرى. اللغة ليست ترفا او تفصيلا، عبرها نصل إلى المستقبل.
فرنسا تستميت في الدفاع عن لغتها والمحافظة على انتشارها في مناطق نفوذها التاريخي، وتصرف على ذلك ميزانيات ضخمة، عبر شبكة مراكزها الثقافية، ومن خلال عدد من المؤسسات العمومية في مقدمتها “الأكاديمية الفرنسية”، ناهيك عن منظمة الفرنكوفونية، التي تضم الدول الناطقة كليا أو جزئيا بالفرنسية، مع ذلك، فإن تأثير لغة موليير يتقلص باستمرار، كما يتقلص “الجلد السحري” في رواية بلزاك الشهيرة.
مشكلة الفرنسية أنها لم تعد مهددة من الخارج فقط، بل من الداخل أيضا. قبل يومين، خرجت تظاهرات في مناطق مختلفة من الجمهورية، يطالب أصحابها بالاعتراف باللغات الجهوية كلغات رسمية، جنبا الى جنب مع الفرنسية، مما ينذر بمزيد من التعقيد، خصوصا أن اللغات الجهوية ليست ما ينقص في بلاد الغاليين. الدستور الفرنسي ينصّ في فصله الثاني على أن “الفرنسية هي لغة الجمهورية”، والمحتجّون يريدون تعديل الفصل، بكل بساطة. التظاهرات والوقفات جرت أمام المحافظات، التي ترمز لمركزية الدولة، في الباسك ولابروتاني وكورسيكا والألزاس والفضاء الأوكسيتاني… بدعوة من ائتلاف “كي تعيش لغاتنا”، الذي يوحد جهود مختلف المناطق التي تسعى للاعتراف الرسمي بلغاتها، عن طريق تعديل دستوري.
ما أشبه اليوم بالبارحة. قبل أكثر من قرن، كانت الحركات اللغوية التي تسعى للاستقلال عن الفرنسية نشيطة جدا، لدرجة أن الأوكسيتانية، التي يتحدث بها سكان لابروفانس، أنتجت أعمالًا أدبية رفيعة، مثل رواية “ميريو” أو “ميراي”، للكاتب فريديريك ميسترال، صاحب جائزة نوبل للآداب عام 1904، الذي منح للغة الأوكسيتانية بعدا عالميا.
لكن اللغات الجهوية سرعان ما تراجعت، لفائدة اللغة الفرنسية، بالموازاة مع استكمال البناء الجمهوري، عبر إقرار مجموعة من القوانين الحاسمة أبرزها وحدة اللغة وعلمانية الدولة.
فرنسا الحديثة ليست بناء إثنيا بقدرما هي مشروع سياسي. منذ ثورة 1789، ينهض المشروع على قاعدة “اليعقوبية” التي تنظر إلى الجمهورية ككتلة لا تقبل التجزيء، بوحدتها الترابية ومبادئها الثلاثة، الحرية والمساواة والإخاء، ولغتها الموحدة. أن تخرج تظاهرات تدافع عن اللغات الجهوية، معناه أن ثمة من يريد إعادة النظر في الأسس التي تنهض عليها الجمهورية. كلما ضعفت البلدان، تشتتت لغتها، وزاحمت اللغات الجهوية لغتها الرسمية، كل منطقة تخرج لسانها، و”كلها يلغي بلغاه”.
“كلها يلغي بلغاه”







