الذين هاجموا رئيس الحكومة لأنه أشعل العافية في سوق الأضاحي، وأفسد فرحة العيد على ملايين المغاربة، وتفرع لمهرجانه “تيميتار”، لا يدركون أنه ليس سلوكا غريبا على هذا التاجر الذي توعد يوما وعلنا بإعادة “تربيتنا” جميعا.
اخنوش الذي تخلى سابقا عن عباءة الأحرار، ليدخل حكومة بنكيران كتقنوقراط قبل أن يعود ليُمسك حمامة غيره، و معها رئاسة الحكومة، له تاريخ طويل يشهد أن البراغماتية والأنانية تجري في عروقه، بمنطق “أنا ومن بعدي الطوفان”، ولهذا يصر على حلبنا جميعا متى سنحت له الفرصة.
الكثيرون توهموا مع صعود اخنوش، ورحيل “البيجيدي” أن صنابير المال ستُفتح، وأن الوضع سيتغير، وأن الناس ستتنفس القليل من الهواء بعد سنوات من الخنق، و الاختناق الذي اختلطت فيه الكثير من الأيادي.
اليوم اتضح أننا وضعنا بيضنا في سلة واحدة، وأن الحال في المغرب يتجه ليصبح مثل طنجرة ضغط كبيرة تغلي يوما بعد يوم، و بداية صفيرها كان هو “هاشتاغ” “إرحل” الذي تم ربطه بمؤامرة خارجية.. و”طابور خامس” من طرف حزب الأحرار و ووكالة الأنباء الرسمية.
“الهاشتاغ” لم يكن مزعجا كثيرا للدولة، ومعها طبعا اخنوش الذي يتعامل معه بعض مهندسي القرار مثل “جوكير” صالح لكل زمان ومكان.
هذا الاحتجاج الافتراضي كان طرقا قويا في جدران الخزان عكس ما حدث لأبطال غسان كنفاني في روايته رجال في الشمس.
طرق قد يمتد يوما للشارع في ظل الغلاء الذي أرهق الناس، وفي ظل موت الأحزاب وجميع مؤسسات الوساطة التي عاينا إفلاسها الصريح مع حراك الريف.
نار الاحتجاج قد تمتد للشارع في ظل وجود رئيس حكومة يستفز المغاربة مع فريق من الوزراء الهواة والبرلمانيين الذين ركبوا على ظهر القفف للوصول إلى مناصب المسؤولية.
من حق اخنوش أن يتمادى، فالرجل كان رئيسا للحكومة في الظل قبل ذلك، ونجح في جعل بنكيران مع كل عنترياته مجرد موظف يوقع على القرارات حتى دون أن يُدرك ما فيها، كما حصل مع صندوق التنمية الفلاحية وغيره، وهو نفس السيناريو الذي تكرر مع العثماني.
ليس هذا فقط، بل إن اخنوش نجح في أن يبيعنا القرد، بعد أن زاد ثروته في حكومتين بعد تحرير أسعار المحروقات، وظل يحصد الملايير في صمت، رغم ضجيج المهمة الاستطلاعية، وحكاية 1700 مليار، كما نجح في تسجيل هدف قاتل في الوقت الميت في مرمى مجلس المنافسة.
كما تجاوز حملة المقاطعة التي كان رأسه هو المطلوب الأول فيها ، وها نحن نرى اليوم كيف تحول السي اخنوش لرئيس حكومة بعد انتخابات “القفف” ليحصد صففة تحلية مياه بحر الدار البيضاء، وغاز تندرارة.
اخنوش كما المخزن الذي كبر وضاعف ثروته في أحضانه، لا ينسى رد الصرف لخصومه، واليوم نعاين كيف يستمتع الرجل بالتلاعب بأعصابنا، وحلب جيوب المغاربة يوميا انطلاقا من موقعه كأكبر تاجر ومحتكر للمحروقات والغاز والأوكسجين ووقود الطائرات، وهو بذلك “يعيد تربيتنا” لأننا تجرأنا ذات يوم على محاولة الاقتراب من واد المال الذي يصب في حساباته انطلاقا من حملة مقاطعة .
حملة نجح الرجل بعدها، ومعه كتيبة من دجالي الإعلام في تجاوزها مثل “حلمة خايبة”.
بل ونجح في الركوب، وبراحة تامة، على ظهر حزب العدالة والتنمية لولايتين متتاليتين، تجرع فيها المغاربة مرارة سلسلة من القرارات المؤلمة قبل أن نعاين الرجل وهو يصعد بهدوء لرئاسة الحكومة.
اخنوش تنافس مع أحزاب عوض أن تتدافع من أجل تقديم عرض سياسي ومشروع مجتمعي يراعي الانتظارات المتراكمة للشارع، كانت تتباكى برعاية نزار بركة، وعبد اللطيف وهبي، حول من يوزع القفة أكثر، وتتخوف من تأثير ما فيها من زيت ودقيق على الديمقراطية.
النتيجة أن اخنوش صعد ليصبح الرجل الثاني في الدولة بدعم من حزبين كان أحدهما يحذر من أن المغرب مهدد بالسكتة القلبية قبل أن يبلع لسانه.
أما الحزب الثاني فصار يقدم خدماته علنا لحماية الفساد والمفسدين وتجار الغبرة، بعد كل الضجيج الذي سبق الانتخابات حول المال القذر الذي يلاحق قفف اخنوش…
الذين تباكوا على خروف العيد تناسوا أنه سلموا صوتهم لتاجر يرتدي قبعة السياسة، وشناق كبير، لا فرق بينه وبين باقي الشناقة الذين يلهبون أسواق البلاد ويمصون دم العباد.
الخلاصة أننا نسير في هذا البلد نحو “الحيط”، ما لم يسمع العقلاء صوت الطرق القوي على جدران الخزان…أما خروف العيد فمجرد بداية..







