عند الامتحان يعزّ المرء أو يهان. أسوأ شيء يمكن أن يحصل لك في الامتحان، هو ألا تفهم السؤال وتمضي وقتك وأنت تفتش عمن “يُغَشِّشُك”، أو أن تشرع في الجواب بناء على سوء فهم، وحين تخرج النتائج، تكتشف أن المصحّح وضع لك على هامش الورقة ذلك التعليق الشهير، الذي يمكن أن يسبّب لك الفشل الكلوي وليس فقط الفشل الدراسي: “خارج الموضوع”!
ذلك بالضبط ما حدث الثلاثاء الماضي، لعدد كبير من تلاميذ الباكالوريا الفرنسية في مادة الفلسفة، بشأن موضوع حول “ظروف الطبقة العاملة”، كتبته الفيلسوفة الفرنسية سيمون فاي عام 1943. ولأن هناك تشابها في الأسماء، فقد اعتقد كثير من “المنحوسين” أن صاحبة النص هي وزيرة الصحة السابقة سيمون فاي، التي اشتهرت بدفاعها عن حق المرأة في وقف الحمل، وكفاحها من أجل قضايا النساء عموما. الحقيقة أن المرأتين تحملان الاسم ذاته مع اختلاف طفيف في كتابة الحرف الأول:
الفيلسوفة اسمها Simone Weil
والوزيرة اسمها Simone Veil
ولعنة الله على “الأورتوغراف”، في كل اللغات، إلى يوم الدين!
كثير من التلاميذ، الذين يحبون الزيادة، رغم أنها من رأس الأحمق، دبجوا سطورا طويلة في المقدمة حول “معركة الكاتبة من أجل الحق في الإجهاض وحول ما قاسته مع عائلتها في معسكرات النازية”، خالطين بين الفيلسوفة التي توفيت عام 1943 وبين وزيرة الصحة التي تحلّ الأحد المقبل ذكرى وفاتها السابعة.
بعض الذين سقطوا في الفخ، عبروا خلال تصريحات لجريدة “لوفيغارو”، عن أملهم ألا يمهر المصححون أوراقهم بعبارة “خارج الموضوع”، الموجبة للرسوب، وأن يكتفوا باقتطاع نقاط من العلامة التي سيحصلون عليها، كي يحتفظوا بحظوظهم في النجاح، وهم اليوم يضعون أيديهم على قلوبهم في انتظار النتائج!
ما حدث للتلاميذ الفرنسيين مع سيمون فاي، ذكرني بامتحان “الشهادة الابتدائية”، حين كان النجاح ينتهي بحفلة يحضرها الأقارب والجيران والفشل بمجلس عزاء أو محاولة انتحار.
في تلك الثمانينات البعيدة، طلبوا منا في “التعبير الكتابي”، ضمن امتحان الفرنسية، أن ندبّج موضوعا حول محاولات الصوم لدى الأطفال في شهر رمضان، التي تتعثر تحت إغراء مختلف أنواع المأكولات.
كان نص الموضوع يقول ما معناه: “كنت صائما وذهبت إلى السوق مع والدك وشاهدت خوخة شهية، أغرتك واستسلمت لأكلها وضيعت صومك… صف لنا ما حدث”.. بالفرنسية طبعا.
كان التعريب وقتها جديدا على المدرسة، وكانت لغة موليير قد بدأت رحلة التقهقر الطويلة في أسلاك التعليم العمومي. بالكاد كنا نفك الحروف. أتذكر أنني وقفت يومها مطولا عند كلمة خوخة pêche التي لم أكن أعرف البتة أن لها قرابة مع الفواكه.
اعتقدت بسذاجة أن الكلمة تعني “الصيد”، لأنها تكتب بنفس الطريقة، وبذلت جهدا خطيرا كي أجد مبررا لاستعمالها في “نص الموضوع”. بعد مدة من الحيرة والتفكير والتردد، توجهت الى المصحح الذي كان يجلس على المكتب، وسألته بصوت خافت: أستاذ من فضلك ما معنى كلمة pêche؟ فإذا به يرسم لي بيديه حركة شخص يصطاد السمك، مع حرص شديد ألا ينتبه إلى ذلك أحد. من غشنا فليس منا. رفعت إبهامي على سبيل الشكر، رغم أن إفادته “المسرحية” لم تسعفني كثيرا في فك طلاسم “نص الموضوع”.
أخيرا قلت لنفسي، بغير قليل من التحايل، إنهم يقصدون على الأرجح أنني اشتهيت السمك، أليس الصيد هو السمك في النهاية؟ هكذا انطلقت أسرد كيف أغرتني سمكة في السوق وطلبت من والدي أن يشتريها ثم هيأتها والدتي كي نتناولها وقت الإفطار، لكنني لم أستطع الصمود أمام الرائحة وهجمت على السمكة قبل آذان المغرب، وبذلك ضاعت مني الحسنات التي كنت أنوي جمعها ذاك اليوم عن طريق الصيام…. ولا أعرف كم نقطة ضاعت لي في ذلك الامتحان، لأنني كنت “خارج الموضوع”، لكنني نجحت في النهاية، رغم خلطي بين الخوخة والسمكة!
أتمنى أن يكون حظ التلاميذ الفرنسيين مع ڤاي مشابها لحظي مع السمكة، وأن يتفهم المصححون الموقف، لأن “الخطأ كيوقع”، خصوصا في الفلسفة، وليس فقط في صفوف التلاميذ بل حتى ضمن من يعتبرون أنفسهم “فلاسفة”….
عام 2010، أصدر الكاتب الفرنسي المثير للجدل برنار هنري ليفي، الذي يصنف في خانة “الفلاسفة الجدد”، مؤلَّفا عنوانه “عن الحرب في الفلسفة”، استعرض بين صفحاته آخر الدراسات حول الفيلسوف الألماني كانط، بقلم فيلسوف آخر اسمه جان-باتيست بوتول، “ألقى سلسلة محاضرات حول الكانطية الجديدة بعد الحرب العالمية الثانية، واعتبر صاحب “نقد العقل الخالص” تجريديا مزيفا”… حسب ما جاء في كتاب هنري ليفي.
المشكلة أن الفيلسوف جان-باتيست بوتول لم يوجد قط، بل هو من اختراع فريديريك بّاجيس، أستاذ الفلسفة الذي يكتب مقالات ساخرة في جريدة “لوكانار أونشيني”،… فريديريك بّاجيس اخترعه على سبيل المزاح وبرنار هنري ليفي استشهد به بجدية تامّة، مما جعله محط سخرية كبيرة لمدة طويلة، بسبب خفته، وسقطته المدوية.
يومها علّق بّاجيس ساخرا: “المسألة اليوم ليست في عدم وجود فيلسوف اسمه جان-باتيست بوتول بل في عدم وجود فيلسوف اسمه برنار هنري ليفي!”.
“خارج الموضوع”







