الصيف شهر العقارب والبعوض، من نجا من الأولى أكلته الثانية. لكن العقارب البشرية أخطر، والبعوض الآدمي أشرس، لأنه يمصّ كميات كبيرة من الدم، وقانا الله وإياكم من حشرات الصيف. الحشرات الطبيعية “معها السلاك”، يكفي أن تدهن جلدك ببعض المراهم أو تستعمل مبيدات حشرية كي تفنيها عن بكرة أبيها، المشكلة الحقيقية مع الطفيليات الآدمية، التي تملأ الشواطئ والمنتجعات وكل أماكن الاصطياف، ولا ينفع معها أي دواء. مَنْ يقضون عطلتهم في البلاد، اختيارا أو اضطرارا، يعرفون هذه الطفيليات جيدا، لأنهم يجدون أنفسهم عرضة للّسْع واللدغ والعضّ… أينما حلّوا أو ارتحلوا، ويندمون على اليوم الذي قرروا فيه ممارسة السياحة الداخلية!
بعيدا عن كليلة ودمنة، المقصود بالطفيليات هي تلك الفئة من البشر التي تظهر في الصيف، بالمدن الساحلية ومختلف أماكن الاصطياف، وتجد في الموسم فرصة سانحة للنصب والاحتيال، وجمع المال، بكل الطرق، من جيوب الذين اضطرتهم لعنة الجغرافيا إلى السياحة الداخلية. علما أن كثيرا من المغاربة البسطاء يحرمون أبناءهم من أشياء كثيرة كي يوفروا ميزانية العطلة، وبعضهم يلجأ إلى القروض الاستهلاكية كي يمكّن أسرته من التمتع بفترة قصيرة من الراحة، على البحر أو فوق الجبل، بعيدا عن روتين البيت…
هذه الفئة من الطفيليات الصيفية، تضم عددا محترما من اللصوص والنشالين، الذين بدل أن يعرّوا على أكتافهم، و”يضربو العتلة” مثل أسيادهم، يلجأون إلى “ضرب الجيوب” بكل نذالة، ورغم ما يبذله رجال الأمن من جهد، لوضع حد للسرقات في المنتجعات الصيفية، فإنهم ينجحون دائما تنفيذ عملياتهم الحقيرة، ويجعلون عددا من المواطنين يقضون عطلتهم بين الكوميساريات.
لكن الأخطر من النشالين، هم النصابون المقنعون، الذين “يخترعون” مهنا صيفية دون قوانين أو ضوابط، كي ينتزعوا النقود من المصطافين. النشّال “يضرب ويهرب”، أما هؤلاء فيسرقونك في النهار القهار، و”يخرّجون” فيك أعينهم، بلا خجل. البعض سيقول إنهم أجدر بالتعاطف من أي شيء آخر، لأنهم بلا عمل، وتلك طريقتهم في تدبير قوت يومهم. “الله يحسن العوان”. لكن لماذا على السائح البسيط أن يؤمن رزقهم، وهو نفسه يتقاتل مع الوقت كي يوفّر رزق أولاده؟ هنا المشكلة…
بمجرد ما تحرك سيارتك، تكتشف أن عليك أن تدفع لكل من تركتهم الدولة بلا شغل، وأن تتكفل بالمتسولين وتعيل الأسر المشردة، وتفكّ أزمة الفنادق، والباعة المتجولين، وتحلّ مشكلة المطاعم التي تراكمت عليها الخسائر والديون… إذا لم يصبك الأكل بالتسمم، تتكفل بذلك الفواتير!
تنزل إلى البحر وتجد أشخاصا يتربصون بالمصطافين، سطَوْا على مساحة كبيرة من الشاطئ، ويمنعونك من أن تفرش فوطتك، إذا لم تؤجر عندهم “البارسول” بأسعار خيالية. مَنْ أعطاهم حق المتاجرة في الشمس والرمل والماء؟ لا أحد. السلطات تعرف ذلك لكنها “كدّير عين ميكا”، كي تترك الناس يسترزقون. أحيانا يكون “حاميها حراميها”. بعض رجال السلطة يتسترون على النصّابين، مقابل نصيبهم “من البيعة وشرية”، عملا بالشعار الشهير: الله يجعل الغفلة بين البايع والشاري…
تركن السيارة في مكان عمومي، ويطلع لك شخص يرتدي سترة صفراء ويحمل ورقة تافهة كتب عليها مبلغا ماليا، ويطالبك بالدفع مسبقا، وحين تحاول أن تفهم كيف وما السبب ولماذا، تجد نفسك في نقاشات سوريالية…
تكتشف في النهاية أنك مطالب بحلّ كثير من المعضلات الاجتماعية، التي يفترض أن تتكفل بها الدولة، وتتحول عطلتك إلى سلسلة من المشاحنات والمشادات الكلامية الممزوجة بعقدة الذنب. ليس أبشع من أن تتشاجر مع شخص في وضعية هشة، لأنه يريد أن ينصب عليك. “عاين باين”. موقف صعب فعلا. إذا تركته يفعل تشعر ب”الشمتة” وإن فضحته تحسّ بعقدة الذنب. تأتي لترتاح وتجد نفسك تحلّ معادلات عبثية. هكذا يقضي المغربي عطلته متأرجحا بين “الشمتة” و”عقدة الذنب”!
مشاكل السياحة الداخلية، تكشف مأزق التسامح مع الاقتصاد غير المهيكل، وعدم اتخاذ خطوات حازمة إزاء كثير من الممارسات غير القانونية، التي تغض عنها السلطات الطرف، كحلّ ترقيعي للعطالة والهشاشة والفقر. ما معنى أن يُنَصّبَ شخص نفسه وصيا على بقعة من الطريق، ويفرض على المواطنين الذين يصفّون سياراتهم في مكان عمومي أن يدفعوا له ثمن خدمة لم يطلبوها، هي “حراسة سيارتهم”؟ علما أن المواطن يدفع فاتورة رَكْن سيارته للشركات التي تدير القطاع…
لا أحد يجادل في هشاشة وضعية حراس السيارات، وحاجتهم الماسّة إلى مورد رزق، لكن من غير المقبول أن نتركهم في الشارع، يمارسون مهنة غير قانونية، يدفع المواطنون ثمنها، ماديا ومعنويا. كم مشاداة وشجار يحدث يوميا في شوارع المملكة بسبب هذه المهنة الغريبة العجيبة…
مثلما وجدت الدولة حلا لأحياء الصفيح، من خلال استراتيجية أثبتت نجاعتها، آن الأوان أن تضع مخطّطا للقضاء على المهن الطفيلية، التي تنبت على هامش الاقتصاد والمجتمع، عن طريق إدماج تلك الشرائح الاجتماعية في النسيج الاقتصادي، ومنحها الحد الأدنى من العيش الكريم، وعدم تركها عالة على شريحة أخرى، هي نفسها على حافة الهشاشة.
في انتظار ذلك، بدل السفر إلى وجهات تعج بالنصابين والمتسولين واللصوص، من أراد أن ينعم بالسياحة الداخلية، ما عليه إلا أن يعتمد الفكرة العبقرية التي اقترحها، قبل سنوات، وزير التشغيل السابق محمد يتيم الله يدكرو بخير: أن يسافر في الذات…
بين “الشمتة” و”عقدة الذنب”!







