إذا كان الدعم الأمريكي والإسباني لمغربية الصحراء قد خلط الأوراق والموازين، فإن الموقف الفرنسي، المعلن عنه أمس الثلاثاء، بدعم مخطط الحكم الذاتي في إطار السيادة المغربية، من شأنه أن يقرب النزاع من نهايته..فقد فهم الرئيس إيمانويل ماكرون، ومعه الدولة العميقة الفرنسية، أن مصالحة الجزائر على حساب المغرب لعبة خاسرة منذ البداية…فلا فرنسا استطاعت مصالحة الجزائر، ولا هي حافظت على علاقاتها التقليدية والاستراتيجية مع الرباط.
دعم فرنسا للمغرب في قضية الصحراء ليس بجديد، لكن المستجد هذه المرة هو الموقف الصريح الداعم للسيادة المغربية. فقد ظلت فرنسا، على مر الحكومات المتعاقبة، تحافظ على دعمها القوي والحاسم للمغرب في مجلس الأمن. ففي عهد الرئيسين جاك شيراك ونيكولا ساركوزي أصبح هذا الدعم غير مشروط، الأمر الذي كان دائما مصدر قلق وانتقاد من طرف الجزائر.
لكن الأمور بدأت تتغير نسبيا في عهد فرنسوا هولاند الذي رغم استمراره في الدعم التقليدي، إلا أنه كان يحاول الحفاظ على حبل الود مع الجزائر، لتدخل العلاقات منعطفا أكثر تعقدا في عهد الرئيس إمانويل ماكرون، الذي راهن على مصالحة تاريخية مع الجزائر، لكنه كاد يخسر الشريك الأساسي والاستراتيجي بالنسبة لفرنسا، الأمر الذي دفع عددا من المفكرين والدبلوماسيين والخبراء الفرنسيين إلى تحذير باريس من مغامرة غير محسوبة العواقب.
اليوم، يشكل الموقف الفرنسي منعطفا حاسما في مسار هذا النزاع المفتعل، لأنه يستكمل مسلسل الاعتراف بسيادة المغرب على صحرائه من طرف المستعمر العارف بخبايا تراب المنطقة وحدودها. فبعدما أعلنت إسبانيا دعمها لمشروع الحكم الذاتي، يأتي الموقف الفرنسي ليقرب النزاع من نهايته، ويطلق رصاصة الرحمة على الجزائر وميليشياتها المسلحة في تندوف.
في الداخل الفرنسي هناك قناعة بأن ملف الصحراء لابد له أن يحسم قريبا، ولا يمكن لهذا الحسم أن يتم خارج السيادة المغربية. ففرنسا تعرف قبل غيرها حدود المنطقة، كيف لا وهي من صنعت الجزائر ورسمت حدودها..واقتطعت من التراب المغربي أجزاء واسعة من الصحراء الشرقية لتضمها إلى “الجزائر الفرنسية”…من تندوف وكلوم بشار والقنادسة وغيرها.
ليس أمام فرنسا اليوم إلا الاعتراف بسيادة المغرب على صحرائه، ليس فقط لأن الأرشيف الاستخباراتي والدبلوماسي الفرنسي يختزن آلاف الوثائق التي تثبت هذه الحقيقة التاريخية والجغرافية، بل لأن باريس تفهم جيدا أن مغرب الملك محمد السادس لا ينظر لعلاقاته الخارجية إلا من منظار الصحراء المغربية.. وهو المعيار الواضح والبسيط، الذي يقيس به صدق الصداقات، ونجاعة الشراكات، كما سبق أن أكد بوضوح العاهل المغربي بمناسبة الذكرى التاسعة والستين لثورة الملك والشعب.
ثانيا، تدرك باريس جيدا بأن استمراريتها في القارة الإفريقية رهينة بالمرور عبر الرباط، ليس لأن المغرب بوابة لهذه القارة، بل لأن مصداقية المملكة ونهج التضامن والبعد الإنساني وسياسة رابح-رابح التي يعتمدها في شراكته مع هذه الدول، تجعله يحظى دائما بالمصداقية والقبول.
ثالثا، تعي فرنسا جيدا بأن قضية الصحراء لا تخضع بالنسبة للمغرب لأي مساومات أو مقابل..فاعترافها قد لا يجني لباريس أكثر من استمرارية قوة العلاقات بين البلدين، لكن الركون إلى المنطقة الرمادية يجعل هذه العلاقات تعرف دائما توترات حادة بسبب سياسة الكيل بمكيالين التي تنهجها باريس، بينما “ماسكة القلم” في قضية الصحراء، الولايات المتحدة، عبرت بشكل صريح عن دعمها لسيادة المغرب على هذه الأقاليم.
لقد بصمت السنوات الأخيرة على محطات توتر كبيرة بين الرباط وباريس، دون أن تنتبه الأخيرة إلى أن المصالح العليا للمغرب خط أحمر لا يمكن اجتيازه، مقابل مصالح فرنسية في المغرب لا تخضع بدورها للمساومة من طرف الرباط لكنها تحتاج على الأقل من الجهة ذات المصلحة إلى بذل جهود للحفاظ عليها..فلا يمكن بناء شراكة قوية مع طرف يلعب على الحبلين..تارة يفتح أبوابه للخصوم، وتارة يخرج بمواقف دبلوماسية جافة لا تغير في الوضع شيئا.
لذلك، هناك قناعة لدى الدولة العميقة في فرنسا وجزء مهم من الطبقة المتوسطة بأن المغرب أقرب إلى فرنسا وشريك ذو مصداقية وواقعية مقارنة مع نظام جزائري يستغل التاريخ للمتاجرة بـ”أرواح الشهداء” كما يتاجر بمحتجزي تندوف من أجل استجداء المساعدات الدولية..إنها عقيدة نظام يحاول تمطيط أمد طغمة حاكمة رفع ضدها الحراك الشعبي شعار “يتنحاو كاع”.
فرنسا والصحراء المغربية.. باريس تخلط أوراق الجزائر و”تقرب” النزاع المفتعل من نهايته







