بعد قضاء أزيد من 20 سنة في السجن، غادر منير الرماش، أحد مفاتيح تجارة المخدرات بالمغرب، الزنزانة.
وكان الرماش قد أُدين من قبل القضاء ضمن ملف مثير تُوبع فيه قضاة وعناصر درك وأمن وجمارك.
في سنة 2003، شهدت مدينة الفنيدق الساحلية مواجهات شرسة بالأسلحة النارية بين عصابتين، ما عجل بسقوط عدد من كبار بارونات التهريب الدولي للمخدرات، لتُصاب بورصة الحشيش بانهيار حاد، هوى معه سعر الكيلوغرام من مسحوق الشيرا الخالص المعروف بـ”الطبيسلة” من 7000 درهم إلى 1500 درهم.
وقعت المواجهة تمامًا كما يحدث بين “كارتيلات” المخدرات في أميركا اللاتينية، من استعمال مكثف للنيران، ومطاردة بين السيارات، وملاحقة لبعض المهاجمين، قبل مداهمة مستشفى للبحث عن بعض الجرحى قصد تصفيتهم.
الواقعة جعلت المغرب يهتز، وأعين السلطات بالمنطقة تُفتح رغما عنها، بعد أن ظلت متعامية لمدة طويلة عما يجري من نشاط محموم لتهريب المخدرات بين الضفتين، ومن تبييض لأموالها القذرة في مشاريع بمدن الشمال.
سقوط مسؤولين كبار
واقعة إطلاق النار التي استنفرت جميع أجهزة الدولة ومسؤوليها عجلت باعتقال أحد أبرز مفاتيح عالم المخدرات بالمغرب، بعد أن وقع منير الرماش في قبضة الأمن، ليتحول التحقيق إلى نهر جارف سحب معه عددًا من كبار المسؤولين في الدرك والأمن والقضاء والجمارك، أُحيلوا جميعًا على محكمة العدل الخاصة، كما حصد البحث رأس إمبراطور المخدرات الشهير الشريف بين الويدان.
قبل واقعة إطلاق النار، كان الرماش الشاب الفقير الذي انطلق من بيع السجائر بالتقسيط، يتحكم في جزء مهم من إمبراطورية الحشيش بالشمال، ويعد اسمًا بارزًا ضمن عالم المخدرات بين المغرب وأوروبا، بعد أن تمكن من خلق شبكة كانت تعمل بشكل مكثف بواسطة زوارق مزودة بمحركات نفاثة، لنقل عشرات الأطنان من الحشيش بكل حرية، بعد أن فضل المسؤولون أن يديروا ظهورهم لما يحدث، وأن يكتفوا بحساب رزم الأموال التي كانت تصلهم من الرماش.
كثافة النيران التي استعملت وطبيعة الأسلحة جعلت جميع الأجهزة الأمنية تسارع إلى اعتقال الرماش، الذي وقع بالفعل في قبضة الأمن بعد محاولة هرب لم تدم طويلاً، ليخضع لتحقيق كشف معطيات خطيرة حول مدى اختراق شبكات المخدرات لعدد من مؤسسات الدولة، وذلك رغم ما تم الترويج له رسميًا بعد حملة التطهير التي أعقبت نشر تقرير المعهد الجيوستراتيجي حول تجارة المخدرات بالمغرب.
حملة تطهير
لم يكن الرماش من سقط لوحده بعد هذه الواقعة، فالتعليمات التي صدرت من جهات عليا كانت واضحة، وأمرت باعتقال جميع المتورطين، لذا تم اعتقال غريم الرماش والطرف الثاني في المواجهات بالأسلحة النارية، ويتعلق الأمر بمراد بوزياني، ما جعل باقي بارونات المخدرات يحبسون أنفاسهم من أن يتحول الأمر إلى نسخة ثانية من حملة التطهير، في حين فضل بعضهم اختصار الوقت ليتسللوا خارج المغرب.
بعد اعتقال الرماش، شعر عدد من سكان المنطقة ممن كان لهم احتكاك مباشر معه بالصدمة والحزن، فرغم اقتران اسمه بعالم الجريمة والمخدرات، فإن عطفه على الفقراء جعله يحظى بشعبية جارفة خاصة بالأحياء الشعبية، ما خول له القدرة على التحكم في التوازنات السياسية بالمنطقة من خلال الحسم في أسماء الناجحين في الانتخابات والمرشحين لها من خلال منح التزكية، وهو ما جعل التحقيق يمتد لبعض المنتخبين إلى جانب قضاة ورجال أمن ودرك وجمارك جرفتهم المحاكمة، ليجدوا أنفسهم رهن الاعتقال بتهم ثقيلة.
عقوبات ثقيلة
محكمة العدل الخاصة بالرباط قد أصدرت في حق الرماش عقوبة بثلاث سنوات سجناً نافذاً، أضيفت إلى عقوبة 20 سنة سجناً التي قضت بها محكمة الجنايات بتهم الاتجار الدولي في المخدرات، واحتجاز شخص ضد القانون، واستعمال ناقلة ذات محرك.
كما أن العقوبات الصادرة في حق بارون المخدرات الرماش لم تقتصر على قضائه عقدين من الزمن داخل أسوار السجن، بل أمرت المحكمة أيضًا بغرامة ثقيلة لفائدة الجمارك قدرها 3 مليارات و350 مليون سنتيم.
غريم الرماش، والذي كانت عصابته الطرف الثاني في المواجهة بالأسلحة النارية التي فجرت هذه القضية، كان حظه أسوأ، حيث قضت محكمة الجنايات في حقه بالمؤبد، وهي نفس العقوبة التي طاردت عنصراً آخر ضمن نفس العصابة ظل في حال فرار، وذلك بعد مؤاخذتهما من أجل محاولة القتل العمد مع سبق الإصرار والترصد، واستعمال السلاح، والاتجار في المخدرات، والتزوير في محرر إداري، وحيازة سلاح ناري، في حين صدرت في حق باقي العناصر عقوبات سجنية وصلت إلى 20 سنة سجناً نافذاً.







