انتقل المشهد في المغرب من خطر “العطش” إلى أزمة “العطاشة” التي خلقتها كلمة تحولت إلى وقود صراع، تدخلت لتأجيجه الكثير من الأيادي.
لسنا هنا لندافع عن مخطئ، أو لننخرط في “الهيستيريا الجماعية” التي انخرط فيها البعض بدافع البحث عن بطولة وهمية ، أو لملء الفراغ، لكن ما يجري حالياً في مواقع التواصل الاجتماعي، وفي بعض الصفحات، والمنحدر الذي هوى إليه “سُعار” الفعل، ورد الفعل بحاجة إلى فرامل.
كنا نتمنى ألا ينجرف الأمر إلى ما آل إليه، وأن ينتبه الجميع إلى أن النقاش الحقيقي يجب أن ينصب على ما وصل إليه التعليم العمومي.
تعليم لم يعد بحاجة إلى شواهد طبية صادرة عن الوزارة، أو من المجلس الأعلى للتربية والتكوين لكشف وضعه المتردي، لأن عشرات التقارير الوطنية والدولية فضحت رتبتنا المتدنية، وقالت بصريح العبارة أن قطار التعليم زاغ عن سكته، وسط مؤشرات تنبئ بأن الدولة تتجه إلى رفع يدها عن القطاع لدفع الأسر المغربية قهراً نحو لوبي التعليم الخاص.
العطاش الحقيقي هي الأسر المغربية التي صارت تدفع ثمن عملية التشويه المتعمد للمدرسة العمومية التي تخلى عنها الجميع. والعطاش الحقيقي هو المواطن الذي صار يواجه سياط الغلاء ويُرغم على أداء فاتورة فشل السياسات العمومية بعد أن استقالت الأحزاب والنقابات من مهمتها.
العطاش ديال بصح هو الموظف والمستخدم الذي يتسلم راتبه بعد أن تأكل منه الطريطات النصيب الأوفر، ليسلم الباقي للجزار والخضار ومحطة الوقود.
أمر صحي أن ينتفض بعض الأساتذة في وجه ما اعتبروه توصيفاً تحقيرياً، لكن بأساليب تعكس دور وشخصية المربي والوضع الاعتباري الذي يجب أن يسعى لاسترداده. ومن حق الطرف الآخر أن ينتقد دون تجريح، ودون انفعال، ودون خلق عاصفة غطى غبارها على العطب الحقيقي، وحجب السؤال الذي يجب أن يُطرح.
ما يقع اليوم هو عملية “ضرب وجرح” لفظي تسيء للجميع، وتخلق قلقاً حقيقياً، بعد أن تحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى “غرف سوداء” يتم فيها تحريض جهة على أخرى، وهي عملية ساهمت فيها أيادي معروفة بتقديم خدماتها في حروب تصفية الحسابات.
مشاركة الأساتذة في الإحصاء لم تغير من واقع الأمر شيئاً، لأن داء العطب قديم وبصمات المسؤول عن من يسعى لخلق أجيال جديدة من “الضباع” واضحة.
جميع المغاربة يعلمون واقع التعليم والمدرسة العمومية، بعد أن عاينوا كيف يتم حشر أزيد من 54 تلميذاً في قسم واحد مع كل دخول، وكيف أن تلامذة وصلوا إلى مستوى الإعدادي والثانوي، ولا يزالون غير قادرين على كتابة رسالة قصيرة دون الوقوع في أخطاء كارثية تدين جميع المسؤولين الذين تعاقبوا على القطاع، وأولئك الذين سطروا واستوردوا مناهج منتهية الصلاحية، جعلت المدرسة المغربية تفقد البوصلة وتقع ضحية لمشارط عدد من التقنيين والسياسيين.
المطلوب حالياً هو ترك هذا القصف الكلامي جانباً، وجعل مناسبة الدخول المدرسي فرصة لفتح نقاش حقوقي وتربوي، وخلق جبهة موحدة تترافع عن حق أبناء المغاربة في تعليم مجاني جيد ومنصف.
جبهة تطرح سؤال لماذا فشلنا، وتطالب بكشف جميع الأسماء التي جعلت التعليم العمومي يغرق في بحر من الفساد الذي يدفع ثمنه ملايين التلاميذ،بعد أن اتضح أن مهمة تنزيل المدرسة الرائدة التي ستلتهم عشرات الملايير من المال العمومي قد أسندت لأسماء أشرفت على المطبخ الداخلي لصفقات البرنامج الاستعجالي.
هذا هو المطلوب، أما حروب التدوينات فلن تفيد في شيء.







