كنا نعرف أن المواطن المغربي يعيش مثل الكلب ويموت مثل الكلب، لكننا لم نكن نعرف أنه يولد مثل الكلب أيضا، في الشارع. ما حدث في جماعة بني عروس بإقليم العرائش، قبل أيام، يعطي صورة واضحة عن القدر “الكلبي” للمواطن في هذا البلد السعيد: امرأة فاجأها المخاض ونقلها أهلها إلى مستوصف الجماعة، لكنهم وجدوا على باب المركز الصحي ورقة مكتوب عليها: “مصلحة الولادة غير متوفرة حتى إشعار آخر”… وبقيت الحامل تتلوى وتتوجّع أمام المستوصف، حتى إشعار آخر، مما جعل مرافقيها يضعونها في المقعد الخلفي للسيارة، ويتعاركون مع المخاض والألم حتى طلعت صرخة “البلعوك” الذي ولد كما يولد أي جرو، على قارعة الطريق. الحمد لله أن “الجرو” وأمه خرجا سالمين من الاختبار، لأن آخرين في مناطق أخرى من المغرب المنسي، لقوا مصيرا أسوأ، في ظروف مشابهة، دون أن يتحدث عنهم أحد!
رغم مرور ما يقارب سبعين عاما على استقلال البلاد، ماتزال ثنائية “المغرب النافع” و”المغرب غير النافع”، التي كرسها الاستعمار، توجه السياسات العمومية، وتجعل نسبة كبيرة من المواطنين يعيشون في عصور سحيقة، على هامش التاريخ والجغرافيا والاقتصاد. التطور الذي عرفته المدن والحواضر الكبرى، خلال العقدين الأخيرين، يوازيه زمن متجمد في أجزاء كبيرة من البلاد، خصوصا في البوادي والبلدات الصغيرة. يكفي أن تزور بعض المرافق الصحية والتربوية كي تقف على حجم الكارثة. حتى أفغانستان تحت حكم طالبان تتوفر على مدارس أفضل من بعض الحجرات التي يدرس فيها أطفالنا، ومستشفيات غزة الجريحة، وهي تحت القصف، أكثر تجهيزا من بعض مراكزنا الصحية!
قبل حادثة بني عروس، كانت هناك فاجعة بني ملال: واحد وعشرون شخصا ماتوا في يوم واحد، “بسبب الحرارة”، حسب الرواية الرسمية، رغم أن الجميع في المدينة، وعلى رأسهم أهالي الضحايا، يؤكدون أن أقرباءهم ماتوا بسبب غياب البنيات التحتية في المستشفى، وعدم وجود أجهزة تكييف… باختصار، هم ضحايا إفلاس المنظومة الصحية في المغرب.
رغم مرور ما يقارب سبعين سنة على الاستقلال، ما يزال المغرب مقسما إلى مغربين ومايزال سكانه يعيشون في طابقين: طابق علوي يتوفّر على كل مظاهر الرفاهية والبذخ، وطابق سفلي تحت الأرض، تفتقر فيه أبسط لوازم الحياة.
عندما يمرض سكان الطابق العلوي يركبون أول طائرة في اتجاه أوروبا أو أمريكا كي يعالجوا في أفضل المستشفيات، وعندما يتعطل عضو في جسد “بوزبال”، يتشرد على أبواب المصحّات العمومية أو ينقل على وجه السرعة إلى أول مشعوذ… رغم أنّ جسد الفقير مثل بيته، كما تتسع غرفته الصغيرة لكل العائلة، يتسع الجسد الواحد لعائلة من الأمراض، دون أن يئن أو يشتكي. بعض الإحصائيات تشير إلى أن أكثر من ثلاثة ملايين مغربي مصابون بأمراض مزمنة، مثل السكري والروماتيزم والفشل الكلوي وتشمع الكبد… وكثيرون يجمعون بين كل هذه الأمراض، دون أن يمنعهم ذلك من الحياة، والتمتع بالأكل والشرب ومختلف أنواع الشهوات، رافعين شعار المملكة الخالد: “موت وحدة اللي كاينة”، في انتظار زيارة مفاجئة من عزرائيل!
ولو فتشنا عن السبب الرئيس في وفاة السواد الأعظم من المغاربة، لن نجد أيا من الأمراض المزمنة، بل مرض واحد يمكن أن نسميه “فوبيا الطبيب”. من علامات التخلف أن يتفادى المواطنون الذهاب إلى الطبيب، رغم تردي أحوالهم الصحية، خوفا من مصاريف العلاج ومن البهدلة على أبواب المستشفيات. كثير من المواطنين يفضلون أن يتركوا الأمراض تتكدس في أجسادهم كما يتكدس الركاب في حافلة شعبية، بدل إهدار كل ما تملكه الأسرة بين العيادات الخاصة أو التشرد على أبواب “السبيطارات”، بحثا عن “رونديڤو”…
وحتى إذا حصلت المعجزة وعثروا على سرير مهترئ في غرفة رطبة، داخل “الباطوارات” التي تسمى مستشفيات عمومية، يبتزهم الممرضون من عديمي الضمائر، ويتعامل معهم بعض الأطباء كما يتعامل البيطري مع الحيوانات.
أما العيادات الخاصة، فإنهم يفحصون جبيك أولا. المريض عندهم مثل نزيل في فندق سيئ الخدمة، بقرة حلوب ينبغي استنزافها إلى الآخر. يخترعون لك أمراضا إضافية وعمليات لا مبرر لها كي تطول مدة الإقامة، وإن نجوت من مبضع الجراح، تقتلك الفاتورة… خصوصا أنك تترك شيكا على بياض قبل الدخول، “ودخول الحمّام ماشي بحال خروجو”!
في البلدان التي تحترم مواطنيها، يعالج المريض أيا كان أصله أو عرقه أو مستواه الاجتماعي، دون أن يتحدث معه أحد عن “الدفع”، حتى بالنسبة إلى المهاجرين غير الشرعيين، فإنهم يدخلون المستشفيات العمومية دون أن يشكل غياب أوراق الإقامة أو النقود عائقا في علاجهم، لأن الدولة تملك صناديق خاصة للتكفل بمثل هذه الحالات، وتعتبر الحق في الحياة مقدسا وصحة وكرامة الإنسان قبل كل شيء.
في المغرب، بسبب الفقر وقلة ذات اليد، تأخذ الأمراض راحتها في كل عضو من جسد الإنسان، وتسكن وتتوالد مع توالي السنوات والإهمال. بدل أن يتبهدلوا على أبواب “السبيطارات”، يفضل ملايين المواطنين الذهاب عند فقيه أو مشعوذ، كي يمنحهم قليلا من الوهم بثمن مناسب، ويتركون الأمراض تتجول بحرية في أجسادهم. “المهم هو السبب والكمال على الله”. إلى أن تبسط الأمراض نفوذها على الجسد، “ويأخذ صاحب الأمانة أمانته”. عندها نسمع حوارات سريالية من هذا القبيل:
“باش مات مسكين؟”
-“والو، غير موتة الله، كان ما بيه ما عليه نعس ما صبح، سبحان الله!”
ولو أجريت تشريحا للجثة لوجدت أن عدد الأمراض التي تحالفت ضد المرحوم أكثر من عدد الدول التي تحالفت للقضاء على داعش!
أن تولد مثل جَرْو، وتموت مثل كلب!







