يا لها من صدفة أن تتزامن ضجة إعلان توظيف مطور معلوميات بأجر 1600 درهم شهريا، مع الجدل الكبير الذي أثاره فيلم “حياة الماعز”، والذي يفضح معاناة العمالة الأجنبية مع نظام “الكفيل” بالسعودية، حتى إن عددا من النشطاء الفايسبوكيين وصفوا وكالة “أنابيك” بكونها “كفيلا” بالصيغة المغربية..تكفل الهشاشة في التشغيل، وتمنح “الباطرونا” كل أدوات الاستقواء على اليد العاملة في البلاد.
ذلك أن الوكالة الوطنية للتشغيل وإنعاش الكفاءات لم تجد أدنى حرج في البحث عن مطور معلوميات “سنان لحليب” لتوظيفه بأجر 1600 درهم، بينما مثل هؤلاء يتقاضون أكثر من هذا الأجر في اليوم الواحد في الدول التي تحترم كفاءاتها..في حين نفعل كل شيء هنا من أجل طرد الكفاءات، ودفعها إلى ركوب أول طائرة نحو كندا والدول الأوروبية.
ولعل “شروط الخزيرات” التي فرضتها هذه الوكالة لتوظيف “مطور معلوميات”، ومنها إتقانه للعربية والفرنسية والإنجليزية، تكشف لنا إلى أي حد تغيب الرؤية لدى الفاعلين في قطاع التشغيل، وابتعادهم كل البعد عن العالم الآخر للشباب الذي وجد ضالته في المنصات الدولية ليس لمحاربة البطالة فقط، بل لصناعة ثراء حقيقي بعيدا عن منطق العبودية الذي يتعامل به البعض..
لقد سبق للمجلس الأعلى للحسابات أن تساءل عن الدور الحقيقي لهذه المؤسسة..ونحن بدورنا نتساءل إن كانت هذه الوكالة تحمل هم إنعاش الكفاءات، أم دفع الشباب نحو الهشاشة بعقود عمل لا تصلح حتى للتشغيل المؤقت.. فأن تنشر مؤسسة عمومية، يفترض فيها احترام قوانين البلاد وعلى رأسها الحد الأدنى للأجر، مثل هذه العروض..فهذا يعني أننا فعلا أمام مؤسسة تكفل الهشاشة في التشغيل.
والخطير في الأمر هو أن عرض التشغيل المذكور لا يستند على عقود محددة أو غير محددة المدة، بل هو عقد أنابيك “CI”..أي عقد إدماج (تدريب لمدة سنتين)، وهذه حكاية أخرى فيها الكثير من التفاصيل التي جعلت المؤسسة، في واقع الأمر، تتحول إلى وكالة للتشغيل المؤقت، وليس لإنعاش الكفاءات التي تستقطبها الشركات الأجنبية بأجور مغرية جدا..
لقد سبق للمجلس الأعلى للحسابات أن فضح واقع “لانابيك”، ودورها شبه المنعدم في مجال التشغيل. وقد وقف المجلس على لجوء العديد من المشغلين لعقود الإدماج لتلبية حاجياتهم من اليد العاملة والاستفادة من التحفيزات المتاحة، وخفض كلفة الأجور وإضفاء المرونة على عملية التشغيل هروبا من تطبيق مدونة الشغل. وبذلك، أصبحت النتائج عكسية تستهدف بالأساس المشغلين عوض الباحثين عن الشغل..ولو بعقود “حياة الماعز”.
لانابيك..الوجه الآخر لـ”حياة الماعز”







