قالت صحيفة فرنسية، إن الجيش الجزائري اعترض مسيرة تركية الصنع قرب حدود البلاد الجنوبية مع مالي، في وقت تشهد العلاقة بين البلدين توترا بسبب العمليات العسكرية التي تنفذها سلطات باماكو في منطقة أزواد، وهو ما يلقي عبئا أمنيا وإنسانيا كبيرا على الجزائر.
وذكرت صحيفة لوبينيون في تقرير لها، أن الجزائر في ظل ما يجري على حدود البلاد الجنوبية، انتقل إلى مرحلة الردع العسكري ضد مالي. ففي يوم 27 أغسطس المنصرم، تقول الصحيفة، إن طائرة جزائرية مقاتلة من طراز سوخوي 30، أقلعت من قاعدة تمنراست بعد رصد تهديد على الحدود مع مالي.
وقامت هذه الطائرة، بإطلاق إشارات تحذير تجاه طائرة بدون طيار تركية من طراز TB2 كانت تحلق في المنطقة، مما أجبرها على الانسحاب. ولم تؤكد باماكو الحادث، لكن الجزائر باتت تعتبر وجود طائرات سوخوي قرب الحدود جزءا من استراتيجيتها لمواجهة أي تصعيد، وفق مصادر “لوبينيون”.
منذ 25 غشت الماضي، شنت القوات المسلحة المالية سلسلة من الضربات بالطائرات بدون طيار استهدفت مناطق محيطة بمدينة تينزواتين، وهي بلدة حدودية تقع بين مالي والجزائر. وقد تم تنفيذ هذه العمليات الجوية بعد مرور شهر تقريباً على معركة تينزواتين.
الاشتباك الذي جمع بين متمردي الإطار الاستراتيجي الدائم للدفاع عن شعب أزواد والجيش النظامي المالي ومقاتلي مجموعة فاغنر، التي أصبحت الآن جزءاً من كيان أكبر يسمى فيلق إفريقيا، أسفر عن خسائر فادحة للقوات المسلحة المالية، التي قد تكون فقدت ما لا يقل عن 47 من أعضائها.
وكانت الهزيمة بشكل خاص مريرة بالنسبة لمقاتلي مجموعة فاغنر، حيث بلغ عدد القتلى حوالي 84، وفقاً للحصيلة التي قدمتها حركة التمرد في شمال مالي.
الرد المنتظر من الجيش المالي قد يكون له تداعيات تتجاوز شمال مالي. وقد أثار هذا الوضع ردة فعل قوية من الجار الجزائري الذي تربطه 1329 كيلومترًا من الحدود المشتركة مع مالي، يرى في هذه المناطق الصحراوية الواسعة قضية أمن قومي.
في حين أن باماكو تدعي أنها قتلت “حوالي عشرين فرداً مسلحاً” واستهدفت إرهابيين، فإن متمردي “شعب أزواد” والعديد من المصادر المحلية والإنسانية يؤكدون أن الأشخاص الذين تم قتلهم كانوا في الغالب من المدنيين، بينهم حوالي عشرة أطفال. وهي رواية تدعمها الجزائر التي، من جانبها من الحدود، تولت رعاية العديد من المصابين في هذا الهجوم.
غضب الجزائر
في يوم الاثنين 26 غشت الماضي، بمناسبة الذكرى الـ75 لاعتماد اتفاقية جنيف، طالب عمار بنجامة، الممثل الدائم للجزائر لدى الأمم المتحدة والسفير الجزائري السابق في فرنسا، بوضع “حد لانتهاكات الجيوش الخاصة التي تستخدمها بعض الدول”، ودعا إلى فرض عقوبات من الأمم المتحدة على الهجمات المرتكبة. وبتنديدها بمقتل العديد من المدنيين في تينزواتين، أثارت الجزائر غضب باماكو.
عبر ممثلهم الدائم في الأمم المتحدة، أدانت مالي الاتهامات ووصفتها بأنها “خطيرة و لا أساس لها” واتهمت الجزائر “بأنها تتبنى دعاية إرهابية”.
من جانبها، كررت الجزائر معارضتها لوجود الشركات العسكرية الخاصة في المنطقة وألقت باللوم على الدول التي تستخدمها.
الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون وحاشيته، الذين يعارضون بشدة وجود مجموعة فاغنر في الساحل، خاصة وأن المجموعة الروسية تدعم في ليبيا معسكر الجنرال حفتر، الذي يعتبر تهديداً، لا ينظرون أيضاً بعين الرضا إلى تسليم تركيا ستة طائرات بدون طيار إلى الجيش المالي، والتي تُستخدم بشكل خاص ضد المتمردين.
منذ فترة طويلة، كانت منطقة تينزواتين، التي تعد جزءاً من المنطقة العسكرية السادسة بقيادة اللواء محمد عجورود، تحت المراقبة الدقيقة من قبل الجيش الجزائري، الذي يمتلك قواعد جوية، مراكز طائرات هليكوبتر، وثكنات عسكرية في المنطقة، حيث يتمركز فيها عدد كبير من العسكريين، الدرك، حراس الحدود وأعضاء أجهزة الاستخبارات.
في فبراير 2024، أشرف رئيس الأركان سعيد شنقريحة على تمرين تكتيكي باستخدام الذخيرة الحية تحت اسم “عاصفة الهقار 2024”.
على الجانب الجزائري، تم تركيب نظام أمني واسع حول المدن والقرى الحدودية مع مالي، حيث أحيطت بأسلاك شائكة وحفرت خنادق حولها لمنع تسلل الإرهابيين أو المهربين.
كما يقوم الجيش الجزائري بإجراء فحوصات منتظمة على نقاط المياه والوقود. بعد التدخل الجزائري في الأمم المتحدة، انتشرت شائعات عن نية الجزائر فرض منطقة حظر جوي في المنطقة. وهو خيار تم نفيه بشدة من مصدر مقرب من الملف.
فشل اتفاق الجزائر
رغم أن الردود تقتصر حتى الآن على المجال الدبلوماسي، إلا أن الوضع حول تينزواتين يعمق التوترات بين الجزائر وباماكو. منذ وصول المجلس العسكري المالي إلى السلطة، تصاعدت التوترات، لا سيما فيما يتعلق بقضية المتمردين وتدهور اتفاق الجزائر.
كانت الجزائر تقود الوساطة الدولية المكلفة بتطبيق هذا الاتفاق للسلام، لكنها فشلت في إعادة إحياء هذا النص الذي يعمل كوقف لإطلاق النار بين التمرد في الشمال وباماكو منذ عام 2015.
بعد دفن الاتفاق بشكل نهائي في يناير الماضي، لم تكن السلطات المالية راضية عن موقف الجزائر تجاه المتمردين.
في أعقاب استئناف الأعمال العدائية بين الجيش المالي والمتمردين، واستيلاء الجيش المالي على المدينة الرمزية كيدال، شددت السلطات الجزائرية على “اقتناعها الراسخ بأن اتفاق الجزائر لا يزال الإطار الأنسب لحل الأزمة في مالي”، ودعت “جميع الأطراف المالية إلى تجديد التزامها بهذا العمل الجماعي للسلام والمصالحة”.
وكان وفد من الحركات المسلحة في شمال مالي قد استُقبل في الجزائر في دجنبر الماضي. وقد أثارت هذه الزيارة ردود فعل قوية في باماكو، حيث نددت السلطات بـ “الأعمال غير الودية التي ارتكبتها السلطات الجزائرية تحت غطاء عملية السلام في مالي”.
بعد استدعاء السلطات المالية والجزائرية لسفيربهما، في 5 يناير الماضي، عاد السفير الجزائري إلى مالي، مما كان يبشر بتقارب نسبي للعلاقات بين الدولتين الجارتين. لكن العلاقات تدهورت مرة أخرى بعد سبعة أشهر.
(عن “جون أفريك”) بتصرف







