كلما رأيت تلميذا يحمل محفظة، والضجر يتطاير من عينيه، أتذكر كم كنا نكره المدرسة أيام الطفولة ونتمنى أن يضربها زلزال أو فيضان أو أيّ “جايحة كحلة” كي نعفى من الدراسة، ويموت بالمناسبة المعلم والمدير والحارس… ولا يبقى أيّ أثر لـ”سجن الأحداث” الذي كانوا يسمّونه “مدرسة”. أي مدرسة؟ حظيرة، معتقَل، دار المقري، تازمامارت…
نحن جيل تعلّم في الوقت بدل الضائع، في حجرات رطبة، على يد جلادين حقيقيين، إلا من رحم ربك، لذلك اضطر كثيرون إلى مغادرة الفصل في وقت مبكر، المحظوظون تعلموا حرفة والمناحيس استسلموا للانحراف، أما من أكملوا المشوار فهم مدينون للصدفة و”رضا الوالدين” أكثر من أي شيء آخر. التسيب كان عنوان المرحلة. أطفال في الهواء الطلق، مصيرهم في مهب الريح، بلا توجيه ولا متابعة، آباؤهم مشغولون بإطعام أفواه كثيرة، والمعلمون ساديون بعقد نفسية عويصة، والدولة آخر همها مستقبل أولاد يسيل من أنفهم المخاط !
حين أفكر في تلك الأيام، أتذكر الألعاب أكثر من الدروس. الاستراحة والذهاب إلى المرحاض أجمل فترات النهار، لأنها تمكننا أن نهرب من الدروس المملة ومن عصا المعلم، التي يتطلب تفاديها تركيزا كبيرا، ويبدو أن شعورنا لم يكن خافيا على وزارة التربية الوطنية، لذلك وضعت في تلاواتنا قصيدة لأحمد شوقي يقول مطلعها:
“أنا المدرسة اجعلني/ كأم لا تمل عني/
ولا تفزع كمأخوذ/ من البيت إلى السجن!
بمجرد ما يرن الجرس، ننط مثل سعادين في اتجاه الساحة كي نلعب “الكاراطي”، نكاية ببطش المعلم. نتوزع تلقائيا إلى فريقين ونشرع في تقليد آخر حركات بروس لي وجاكي شان، التي شاهدناها في بيت صديقنا الذي اشترى له والده جهاز فيديو في تلك الثمانينات البعيدة:
“La fureur du dragon”
و”Opération dragon”
وغيرهما من أفلام القتال حيث يبدع بروس لي في “ملخ” خصومه، كل يوم أحد على إيقاع تصفيقاتنا!
ما إن ننتهي من عمليات الحساب والضرب في القسم، حتى تبدأ “عمليات ضرب” من نوع آخر، في ساحة المدرسة، تكلفنا سراويلنا وأحذيتنا وبعض الجروح الطفيفة. عندما يرن الجرس مجددا، مؤذنا بنهاية الاستراحة، تدخل “الهدنة” حيز التطبيق… هدنة مؤقتة في معركة استنزاف طويلة، خسرنا فيها أجمل سنوات العمر.
البنات دائما أكثر هدوء، ينزوين في ركن ويلعبن “تيكشبيلا تيوليولا” أو “لاماري” أو يقفزن على الحبل. أحيانا، عندما يكون الجو ومزاج المعلم رائقين، تتحول الحصة بكاملها إلى استراحة. نخرج إلى الهواء الطلق كي نتسلى ببعض “الألعاب التربوية”، تحت إشراف المعلم. “إفتحي يا وردة، إغلقي يا وردة”…. نتحلق في دائرة ويضع أحدنا عصّابة على عينيه ثم يشرع في الدوران بحثا عن منديل يفترض أن أحدنا يخبئه، وكان فريق منا يردد بالفرنسية:
” Caché”،
والفريق الآخر يرد:
“Il est chez vous”.
الطريف أن العبارة الأخيرة كانت تتحول في شفاهنا إلى “إيلي شيفون”، كنا واثقين أن للجملة علاقة بـ”الشيفون” الذي يخبئه واحد منا كما تقتضي اللعبة… في واقع الأمر، المدرسة العمومية هي التي كانت “شيفونا” حقيقيا !
بدل الدخول المدرسي، كنا مهتمّين أكثر بالخروج المدرسي. رغم أن الموسم الجديد ينطلق رسميا في بدايات شتنبر، فإنه لم يكن يبدأ عندنا قبل منتصف أكتوبر. كنا نعتبر عدم الالتحاق بالمدرسة في موعد الدخول الرسمي نوعا من “البطولة”، ساخرين من “الخوّافين” الذين يصرون على الذهاب إلى الفصل في الموعد الذي حددته وزارة التربية الوطنية، ولم نجد من ينبهنا إلى أننا ننتقم من مستقبلنا وليس من شيء آخر. كان التعليم العمومي كارثيا، ومازال يواصل تدحرجه إلى الأسفل، دون أن تنجح اللجان والمجالس والهيئات التي تشكلها الدولة كل سنة في إيقاف رحلته المأساوية إلى الحضيض. من يهمه مصير أبنائه، “يتقاتل” كي يدخلهم إلى “الميسيون” أو يرسلهم إلى مؤسسات التعليم الخاص، ومن لا حول ولا قوة له يرسلهم إلى المدرسة العمومية كي يلعبوا “كاشي إيلي شيفون”…
الخروج المدرسي!







