عندما ربح “العدالة والتنمية” الانتخابات التشريعية في أكتوبر 2016، كانت “دبانة” بنكيران قد أصبحت “زرقاء” تماما، مع ذلك جرى تعيينه رئيسا للوزراء، لأن حزبه احتل المرتبة الأولى، وهو الأمين العام والمرشح الطبيعي لخلافة نفسه. “المنهجية الديمقراطية” أصبحت مكسبا لا رجعة فيه، بعد دستور 2011. صحيح أن تحالفا ماكرا تشكل ضد بنكيران، من طرف دزينة من الأحزاب، لمنعه من الحصول على أغلبية في البرلمان، ضمن ما سمي ب”البلوكاج الحكومي”، وهي مباراة تاريخية كان فيها لشكر وأخنوش بمثابة حكيمي وزياش… لكن ذلك في النهاية جزء من “اللعبة الديمقراطية”، ولو نظرنا اليوم في “الريتروفيزور” لاكتشفنا أن ماجرى كان درسا ديمقراطيا، كيفما كانت الخلفيات التي حركت خصوم بنكيران، خصوصا أن القصر لم يتدخل إلا بعدما “انتهى الكلام”، ليعيّن شخصية من “العدالة والتنمية”، رغم أن الدستور يعطيه الحرية الكاملة لتسمية شخصية أخرى من حزب آخر. بذلك أصبح سعد الدين العثماني ثاني رئيس للوزراء في ظل دستور 2011، ولقبّه البعض ب”ابن عرفة”، وسخروا من موقفه،
وهم أنفسهم من يرون فيه اليوم واحدا من أحسن من تولّوا زمام الأمور في هذا البلد، بفضل هدوئه وحكمته، و”البركة” التي سادت أثناء ولايته. ليس مثل عزيز أخنوش، “اقدام الربح”، الذي بمجرد وصوله تضاعفت الأسعار ونشبت الحروب واستفحل الجفاف وحدثت الزلازل وفاضت الوديان وتدهورت المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية، إلى أن وصلتنا هذه اللائحة المخيفة التي يتداولها المغاربة على نطاق واسع، وتظهر أن الزيادات في معظم المواد الأساسية تراوح نسبة 100%…
مناسبة هذا الكلام، ما تعرفه فرنسا اليوم من احتجاجات ضد الرئيس إيمانويل ماكرون، لأنه خرق “المنهجية الديمقراطية” وشكّل حكومة لا علاقة لها بنتائج الاقتراع الذي جرى في الصيف. اليسار الأوّل والحكومة يمينية. ازدراء غير مسبوق لصناديق الاقتراع، دفع آلاف الفرنسيين إلى الشارع، احتجاجا على مصادرة أصواتهم، فيما قدّم اليسار ملتمسًا في البرلمان لعزل الرئيس من منصبه، لأنه لم يحترم القواعد الديمقراطية. تطورات خطيرة لم تشهد لها الجمهورية الخامسة مثيلا منذ تأسيسها عام 1958. الرئيس الفرنسي تصرف مثل دكتاتور حقيقي، لا تعنيه أصوات الناخبين، حين رفض تعيين رئيس وزراء من الجبهة الشعبية الجديدة، تحالف اليسار الذي احتل المرتبة الاولى، بذريعة أنه لن يتمكن من تشكيل حكومة تحظى بثقة مجلس النواب، رغم أن ذلك ليس شغله، البرلمان برلمان والرئاسة رئاسة، لكنها النزعة السلطوية حين تستبد بالحاكم، حتى لو أوصلته الانتخابات إلى الكرسي. نابليون الثالث تولّى السلطة عام 1848 عن طريق الانتخابات، لكنه انقلب على الديمقراطية ونصّب نفسه “امبراطورا” بعد أربع سنوات، ولم تُخرجه من السلطة إلا الهزيمة العسكرية أمام الألمان عام 1870!
هناك أزمة حقيقية في الديمقراطية الفرنسية: الرئيس حلّ البرلمان ونظّم انتخابات مبكّرة، أعطت المرتبة الأولى لتحالف اليسار، لكن الحكومة تشكلت من الأغلبية الرئاسية واليمين الجمهوري، ورئيسها ميشال بارنييه ينتمي الى الحزب الذي احتل المرتبة الرابعة!
الفرنسيون صوتوا على اليسار، وعيّن لهم الرئيس حكومة يمينية… ما الفرق بين صندوق الاقتراع وصندوق القمامة؟
المهم. أحيانا الله حتى بتنا نقارن بين الديمقراطية في المغرب وفرنسا، ونجد المملكة متفوّقة على الجمهورية في احترام المنهجية الديمقراطية. إما أن المغرب تقدم كثيرا ونحن نائمون أو أن فرنسا ضربتها “جايحة كحلة”… أعتقد أن شوية من الحنة شوية من رطابة اليدين!
“شوية من الحنة، شوية من رطابة اليدين!”







