نام المؤمنون لدى الصندوق الوطني لمنظمات الإحتياط الاجتماعي بعد يوم شاق، فاستفاقوا على خبر رمى بهم إلى المجهول. تفاجأت كل التعاضديات وهي تشهد قرب تنفيذ حكم بإعدام بنيات اسستها ثقافة والتزام اسمه التضامن بين الأجيال ومواجهة الهشاشة أمام المرض. صدمت النقابات، التي صدقت رغبة الحكومة في الحوار، حين علمت أن مشروع قانون يريد التضحية بقرن من العمل التعاضدي ومن المكتسبات ومن البنيات، وذلك بجرة قلم. لماذا كل هذا التهافت يا وزير الصحة وخصوصا وزير الحماية الاجتماعية. لماذا تريد أن تضعف خطاب الحكومة حول الدولة الإجتماعية.
يمكن أن يشهد لك زملاءك الأساتذة الأطباء بالتفوق المهني، ولكن تدبير قطاع الحماية الاجتماعية يتطلب الحنكة السياسية. ولأنه كذلك، تكفل برسم إطاره الفلسفي الاجتماعي، ووضع أهدافه وبرنامج تنفيذه عاهل البلاد وحامي أمنها الخارجي والداخلي وعلى رأس هذا الأخير حماية كل المؤسسات التي تضمن العيش الكريم والسلم الاجتماعي. ينسى الكثير من التقنوقراط أن التدبير العام متعدد الأبعاد. وينسى جلهم أن الإصلاح لا يتم بالتعنت ولكن بالفهم الصحيح والهادئ لكل الآثار المتوقع حصولها بعد اتخاذ القرار غير الخاضع للتمحيص من قبل أولى النهى. ضعفاء التقنوقراط يحولون النقاش والتشارك في إعداد القرار إلى صراع لإثبات الذات. يكرهون مواجهة ذوى الخبرة والرأي النزيه والحر والمبني على معطيات لا تخفي الواقع كما هو.
يريد وزير الصحة والحماية الاجتماعية أن يدفع الحكومة إلى أزمات ليست في حاجة إليها. يرى أنه القادر الوحيد على حل إشكاليات بنيوية في مجال تدبير التأمين الإجباري عن المرض. يظهر أن علاقة مراجعة الأسعار المرجعية للأعمال الطبية وللأدوية بالتوازنات المالية لمؤسسات تدبير التأمين الإجباري عن المرض لا تهمه. يبدو أن تاريخ التعاضديات وأدوارها في مجال الاقتصاد الاجتماعي التضامني لا تهمه. ولا يهمه طبعا أن يتم تسريح موظفين وعمال وإقفال مؤسسات صحية وخدماتية تقدم أعمالا جليلة لذوي الدخل المحدود.
وتظل هذه الحكومة ماضية في تأجيج الصراعات بتعنت كبير. ويظل سبب هذا السلوك يكمن في غياب ثقافة سياسية حقيقية لدى العدد الأكبر من الوزراء ودواوينهم الفارغة من الخبرة والتكوين الذي يستبطن فهم دور المؤسسات وأهمية التوازنات الاجتماعية. تمتد يد ضابط شرطة على خد طالبة في الطب. وما بين يد وخد أخذت صور لا تسر الناظرين، ولا تجسد أي مجهود في إتجاه نبذ العنف في التعامل مع حركات اجتماعية مشروعة. ويظل كثير من الوزراء لا يفقهون شيئا في التعامل مع الأزمات الإجتماعية. يظل الأهم، بالنسبة لهم، أن يبصموا على قرار أو مشروع قانون، ويعلنون أنهم نجحوا في تغيير الأوضاع.
التغطية الإجتماعية كانت من صنع واقع رسمت معالمه صراعات إجتماعية. تأكد لملك البلاد أن القضية لها ارتباط وثيق بمستقبل المجتمع المغربي وتوازناته المؤسساتية ووضع فئاته الإجتماعية. فتح ورش الإصلاح وبدأت الخطوات الواثقة تتقدم، ولكن، بعض التقنوقراط، ظلوا حبيسي طموحهم الشخصي. وسيتهربون من المسؤولية عن النتائج بعد أن تنهار مؤسسات الحماية والاحتياط الاجتماعي.
يضحك الكثير من التقنوقراط، الذين لا يهمهم لون سياسي أو التزام أخلاقي، من كل المواقف التي يعبر عنها من تهمشهم آليات التأمين الإجباري عن المرض، ومن تقمعهم أسعار الولوج إلى العلاجات، ومن يتم زرع اليأس فيهم عبر دمج مؤسسات تضامنية، وتعاضديات وجمعيات في صندوق سيخضع في الأخير لقانون العرض والطلب، ورغبة الحكومة في تسليع الخدمات الصحية. حذاري من التسليع المؤدي إلى سيطرة ” مول الشكارة ” على العلاج وأنظمة التأمين الأساسية والتكميلية. لا نتمنى أن يتم تمرير الاختيارات الليبرالية القاتلة للاقتصاد الاجتماعي التضامني والتعاضدي، وأحد مكونات هذه الحكومة له تاريخ في النضال من أجل الاستقلال وتأصيل ثقافة التضامن والحق في الولوج إلى العلاجات لكل المواطنين. تقتضي المسؤولية أن يتم إشراك النقابات والأحزاب والتعاضديات في كل مشروع قانون يهم مرتكزا أساسيا لأمن المجتمع.
ماذا يريد وزير الصحة والحماية الاجتماعية التقنوقراطي؟!







