الحرب معارك، وعندما تربح واحدة لا يعني أنك انتصرت. يعرف ذلك العسكريون المُحنَّكون، والخبراء الاستراتيجيون، وكلّ من قرأوا “عن الحرب” لكارل فون كلاوزفيتز. الانتصار كلمة كبيرة. يوم لك ويوم عليك. يمكن أن تربح عشرة معارك وتدور عليك الدوائر، وتخسر الحرب في النهاية. ويكفي أن تقرأ سيرة نابليون بونابرت وأدولف هتلر، كي تعرف أن عقيدة “النصر أو الهلاك”، التي يتباهى الجيش الإسرائيلي، تؤدي دائما إلى الهلاك، ولو بعد حين. المياه تجري تحت الجسر، واتجاه الريح يتغير، والتحالفات تتبدل، والزمن دوار، “من سره زمن ساءته أزمان”!
خلال سنة من الحرب، زرعت إسرائيل من الحقد في محيطها ما يكفي لأربعة أجيال أو أكثر، مما يجعل التعايش مستحيلا مع جيرانها في السنوات المقبلة، وهذا في حد ذاته نكسة استراتيجية، باعتراف بعض الحكماء في الدولة العبرية، لأن الكلمة الأخيرة ستكون للديموغرافيا: تسعة ملايين شخص وسط مليار من “الأعداء”، ألطفهم يتمنى عقوبات دولية، وأشرسهم لا يكتفي بأقل من محوها عن الخريطة!
كل الجهد الذي بذله مهندسو “اتفاقات أبراهام” ذهب سدى. البلدان العربية التي كانت تنوي تعميق علاقاتها مع الدولة العبرية، تجد نفسها اليوم وجها لوجه مع شعوبها الغاضبة. إسرائيل خسرت مشروع التطبيع مع السعودية، أهم دولة عربية في الشرق الأوسط، رغم أنه كان على مرمى حجر، قبل أن تطلق حربها الوحشية على غزة. السعودية ليست الإمارات، يسكنها أربعون مليون، وتوجد فيها الكعبة المكرمة، لذلك من الصعب أن تطبّع مع دولة أبادت عشرات الآلاف من المسلمين، دون أن تعرّض نظامها للخطر.
التظاهرة الجرارة التي خرجت البارحة في الرباط حملت رسالة واضحة ضد التطبيع. المغاربة لا يقبلون الظلم، خصوصا حين يتعلق الأمر بشعوب تربطهم معنا أواصر الدم واللغة والدين. إسرائيل ترتكب جرائم حرب بحق المدنيين في فلسطين ولبنان، لذلك يجدر بالمغرب أن يفك ارتباطه مع هذه الدولة المارقة، ويطرد ممثلها من الرباط. الدفاع عن المصالح لا ينبغي أن يقفز على الحد الأدنى من الأخلاق والمبادئ الإنسانية. للبراغماتية حدود!
الدولة العبرية تعربد اليوم في الشرق الأوسط، وتربح بعض المعارك، مدعومة بدولة “الويسترن”، الضالعة في أكبر إبادة عرفتها البشرية. التلميذ النجيب يقلد أستاذه. مثلما أباد الأمريكيون الهنود الحمر في العالم الجديد، يعمل نتانياهو على إبادة الشعب الفلسطيني في غزة، بالطائرات والصواريخ والمسيّرات والمدافع والقنابل الفوسفورية والعنقودية… وبقية العتاد الحربي الأمريكي، كما يسعى إلى تكرار الجريمة نفسها في لبنان. ثم ماذا بعد؟
مر عام على أحداث السابع من أكتوبر، التي تكبدت فيها تل أبيب إحدى أشدّ الضربات إيلامًا في تاريخها، مع هزيمة استخباراتية مدوية. عام كامل لم تتوقف فيه آلة الحرب عن قتل الأبرياء وهدم البيوت وتجريف الأشجار، رغم أن الهدف المعلن هو القضاء على حماس وتحرير الرهائن. لا حماس انقرضت ولا الرهائن عادوا. أين الانتصار؟
يخطئ أيضا من يعتقد أن إسرائيل انتصرت في لبنان، بعد اغتيال قيادة حزب الله ومعهم مئات الأبرياء بالطائرات الأمريكية. المعادلة أكثر تعقيدا. حتى من دون رأس، مازال حزب الله واقفا، يمنع الجنود الإسرائيليين من التقدم البري ويرسل عشرات الصواريخ إلى حيفا وما بعد حيفا. وحتى لو تمكنوا من القضاء على قيادة الحزب وقدراته العسكرية، لن يستطيعوا اجتثاث فكرة المقاومة. حزب الله وحماس والجهاد الإسلامي وما شابهها، ليست جيوشا نظامية بل حركات مقاومة. يكفي أن تمنع جيش العدو من تحقيق أهدافه كي تكون قد انتصرت، مهما كانت خسائرها. ثم إن إعادة بناء المقاومة أسهل بكثير من تجهيز جيش نظامي. رغم القوة والجبروت والسلاح المتطور، لم تنتصر الولايات المتحدة الأمريكية في فيتنام والعراق وأفغانستان، وانهزمت فرنسا في الجزائر، وانهار نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا… الحق ينتصر في النهاية، مهما كان الثمن باهظا. إسرائيل لا تتعلم من دروس التاريخ. لقد اغتالت أحمد ياسين وعبد العزيز الرنتيسي وخرج لها محمد الضيف ويحيى السنوار، كما اغتالت عباس الموسوي وطلع لها حسن نصر الله… وغدا سيخرج من هم أشرس وأكثر عزيمة وإصرارا على مواصلة الطريق، وإسقاطها بالضربة القاضية!







