قال قائد سفينة الحكومة، موجها كلامه لشابة مستشارة في مجلس مدينة أكادير، أن تترك الأمور السياسية الكبرى للزعماء، وأن تقتصر في كلامها، على ما يجعل جلسة المجلس تمر بطريقة “مزيانة”. لكن السيدة المستشارة كان لها تعليق من الطراز السياسي الرفيع الذي يبين مستوى تكوينها السياسي. بدأ المشهد الذي تناقلته وسائل التواصل بكلام موزون وتساؤلات جد عادية حول مخصصات الميزانية. تطرقت المستشارة، التي تنتمي لأغلبية المجلس والممثلة للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية لمدى تطابق أرقام بعض أبواب الميزانية مع مضمونها وأسباب برمجتها. كانت اسئلتها دقيقة حول مخصصات مالية لمصاريف الاستقبال والضيافة والتدريب واقتناء تجهيزات ومواد رياضية. تساءلت عن غياب التدريب الممول من طرف المجلس خلال السنة الماضية وعن خطر اثقال مصاريف الاستفادة من التجهيزات والبنيات الرياضية في وقت تتزايد فيه الأسعار.
ظهر امتعاض على وجه السيد الرئيس اخنوش دفعه إلى الرد بصفته الحكومية وصفته السياسية العليا. ما قاله كان تعبيرا “صادقا وصريحا” عن تردي النظرة إلى الممارسة السياسية. جعل للنقاش حول السياسة المحلية خطا احمرا يفرق بين كلام ” الكبار” والكلام الذي هو مباح ” للصغار”. والصغار هم كل ممثلي الأحزاب الذين لا يوجدون في قمة الهرم الحزبي. ويمكن ترجمة رسالة اخنوش كخطاب موجه للشباب ” أن إذا كنتم في حضوري أن تعرفوا حجمكم الصغير وتتركوا الكلام في السياسة للكبار فقط”. ويشبه هذا الخط الأحمر ذلك المنع الذي يربط مشاهدة الأفلام السينمائية بسن المشاهد.
وعرى السيد الرئيس، من حيث لا يدري، عن دور “الصنيورين والصنيورات” في الكواليس وعزل الباقي عن التدبير والقرار. كانت الرسالة واضحة عن واقع ومستقبل اللعبة السياسية في بلادنا في وجود هذه ” النخبة” التي خلطت الأوراق وهددت الأرزاق.
حمل هذا المشهد، الذي حصل في مدينة أكادير وبالضبط أثناء انعقاد اجتماع هام لمجلسها، بصيصا من الأمل حمله رد السيدة المستشارة الشابة على السيد الرئيس “الصينيور”. أكدت على أهمية التكوين داخل شبيبة حزبها ووصفت جواب الرئيس ” بالقاصر”. وقد يكون الكثير من مناضلي شبيبات الأحزاب متفقين مع توصيفها لكلام ” الصينيور”. لم تشكك في كل ما تحقق بفضل إرادة عليا للرقي بالبنيات التحتية لأكادير، ولكنها أرادت أن تغني النقاش عبر قراءة تحليلية ونقدية لأرقام الميزانية. كان على الرئيس بوصفه “الصينيور” أن يثمن تدخلها ويثني على اجتهادها دون احتقار لموقعها في حزبها. ولكنها أجابت بطريقة سياسية حين “حمدت الله أن حزبها علمها أن تكون صينيورة منذ أن دخلت إلى الشبيبة الاتحادية”. وزادت بعد وصفها لكلام الرئيس بالقاصر، بكون العمل الجماعي هو عمل سياسي بامتياز مع تسجيلها لكون ما قيل صادر عن رئيس مجلس أكادير والحكومة وحزب.
وهنا يجب أن نقف، كما كان يقول أحد المعلقين الرياضيين خلال كأس العالم الأخير، للقول بأن زمن احتقار السياسة صنعه زعماء من دخلوا مضمارها بالمنطاد والمظلة الكبيرة. لم تصبح السياسة مهانة من طرف الشعب بكافة اطيافه بل أرهق جاذبيتها من أفسدوا العملية الانتخابية وأرسوا سلوكات “أنصر أخاك في الحزب والطبقة ظالما أو مظلوما”. اغتنى الكثير من الغرباء على السياسة بإفسادها وبقهر طموحات الشباب والاطر الكفؤة التي كانت في قلب صنع الأمل في مجالات الاقتصاد والثقافة والرياضة وتدبير الجماعات الترابية بما تيسر من الموارد وفي إطار صراع سياسي لم يهدأ إلا غداة ما سمي بالتناوب التوافقي. هبط حتى مستوى الكلام وتدنت وسائل التعبير اللغوي بالدارجة المغربية. لا زال الأمل قائما ما دامت قدرات الشباب تمكنه من التفاعل النقدي البناء مع كل البرامج والسياسات. مستشارة أكادير لها مثيلاتها وأمثالها في كافة التنظيمات الجمعوية والسياسية والنقابية. الصينيور في كرة القدم ينسحب في بداية عقده الرابع. والصينيور في السياسة قد يبدأ مشواره القيادي في العقد الثالث ويستمر ما دام قادرا على العطاء بكفاءة.
اللهم ارحم ضعف من يرى في نفسه قوة تفوق كل من سواه من المواطنين.
“الصينيور” أخنوش وإهانة السياسة







