بحلول شهر غشت الماضي، كان عدد مستخدمي الفضاء الأزرق بالمغرب هو: 27 مليون ونصف المليون مستخدم. أي ما يعادل تقريبا 70٪ من عدد سكّان المملكة. وغالبيّة هؤلاء المستخدمين، تتراوح أعمارهم ما بين 18 و34 سنة. والأكيد أنّ هذا النّوع من الإحصائيّات، قد لعب دورا محوريّا في اعتماد بعض وزراء الحكومة الحاليّة على المؤثّرين لتلميع صورتها أمام الرّأي العام.
ربّما يتذكّر البعض، كيف أنّ الوزير شكيب بنموسى، اختار في مارس 2022 أن يبسط خطّته بشأن المدرسة العموميّة، أمام بعض المؤثّرين، ويتفاعل مع أسئلتهم لساعتين تقريبا. بدل الجلوس إلى خبراء في مجال التّربيّة والتّعليم مثلا. وكيف أنّ زميلته في الحكومة، الوزيرة فاطمة الزّهراء عمور، سارت على نفس الدّرب، لتسويق برنامج فرصة في أبريل من نفس السّنة. وقد سبق إلى هذه الاستراتيجيّة، حزب العدالة والتّنميّة، حينما كان يقود الحكومة في عهد عبد الإله بنكيران. وهي نفس الخطّة الّتي انتهجتها شبيبة التجمع الوطني للأحرار، خلال جامعتها الصّيفيّة في أكادير هذه السّنة. قد تختلف السّيّاقات، لكنّ الهدف واحد، استمالة أصحاب العلامة الزّرقاء.
هذه الآفة المعلنة الّتي باتت تزحف رويدا رويدا على السّيّاسة منذ الرّبيع العربي، توازيها آلة خفيّة ستكون أشدّ فتكا على مستقبل الوطن. هذه الآلة لا تستعين بأصحاب العلامة الزّرقاء، من أجل التسويق السّيّاسي، وإنّما لصناعة رأي عام على المقاس. لذا، فقد أنببت “صوحافيّين زورق” كما ينبت الفطر في الأماكن المظلمة. كائنات رأس مالها ميكروفون وجوّال وآلاف المتابعين. وغالبيّتهم لم يكن لهم حظّ في تكوين أكاديمي. ولم يضطرّوا إلى السّهر أمام الأوراق العلميّة. ولم يطّلعوا على نظريّة ترتيب الأولويّات Agenda setting theory ومع ذلك، يستطيعون من خلال تدوينة سطحيّة جدّا، أن يرتّبوا أولويّات متابعيهم. بل ويسطّرون لهم ما يجب أن يفكّروا فيه، ويتحدّثوا عنه لمدّة معيّنة.
هؤلاء “الصوحافيين الزّورق” لم يتعلّموا أيّ شيء عن تقنيّات التّحقيق الصّحفي، ومع ذلك قد يصلون/تصلهم معلومات تجعل الصّحافة المهنيّة تبدو صغيرة جدّا أمام ذراعهم الطّويلة. وقد يديرون برامج حواريّة بمنتهى الابتذال، بحيث لا تختلف كثيرا عن حديث الحمّامات الشّعبيّة، ومع ذلك تستقطب عشرات الآلاف من المتابعين، تعجز الصّحافة المهنيّة أن تصل إلى ربعها.
هذا النّوع من “الصوحافيين الزّورق”، لا يتعب نفسه في مقالات تحليليّة، ولا يجتهد في تحضير ما سيقوله أمام الكاميرا، وإنّما يفتحها ويتحدّث كيفما اتّفق. كما أنّه لا يحسب خطواته قبل التّنقّل وسط حقول الألغام. بل يسير آمنا مطمئنا بين مواضيعه، حتّى وإن تعرّضت للأعراض، والحيوات الشّخصيّة. وكأنّ لكلّ منهم “ربّه الّذي يحميه، ويوحي إليه”. قد تختلف السّيّاقات، لكنّ دينهم وديدنهم هو المال، لذلك فهم لا يتحلّقون حول الفكرة، وإنّما حول من ينتجها، ومستعدّ للدّفع مقابل انتشارها. تماما كما يفعل “البرّاح” في الأعراس الشّعبيّة.
إنّ الصّحافة الزّرقاء، أخطر بمراحل من الصّفراء. وقد تبدو ذات قيمة في زمن “العام زين”، لكن عند اشتداد الأزمات، لا يمكن الاستعانة سوى بالصّحافة المهنيّة الرّصينة، والأقلام الّتي تتمتّع بمصداقيّة للدّفاع عن الوطن. فللباطل ألسن وللحقّ لسان واحد فقط.
إنّ الصّحافة، هي واحدة من المهن الّتي من الظّلم ربطها فقط ب “طرف الخبز”. لأنّها أكبر من ذلك بكثير. إنّها ضمير الوطن الّذي يجب أن يبقى يقظا، وعقله القلق التّفكير من أجل مستقبل الوطن. لأنّ الكلمة أمانة من الخيانة أن تضيع بين صرر الدّريهمات، وإنّما واجبها أن تظلّ نبراسا للعبور بالمجتمع من الظّلمات إلى النّور.
الصّحافة الزّرقاء







