يقول مثلٌ صيني : “فساد السمكة يبدأ من رأسها”. وفي المغرب، بينما يواصل الفساد الانتشار كالطاعون، تقف حكومة أخنوش مكتوفة الأيدي، وكأنها غير قادرة – أو غير راغبة – في اتخاذ موقف جاد.
هكذا أصبح من الواضح أن الفساد لم يعد عدوا صريحا، بل “حليفا” حتى لا نقول “حَلّوفاً سميناً” تتعايش معه الحكومة بسلام، فتُشرّع له القوانين على المقاس، وتعيق كل محاولة جادة لمحاسبته. والسؤال المحير ها هُنا : هل الحكومة عاجزة حقا عن محاربة الفساد، أم أنها تتعمّد تجاهله في محاولة لتعزيز مصالح نخبوية على حساب الشعب؟.
تقارير حديثة، مثل تلك الصادرة عن الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة، أكدت أن الفساد في المغرب يكلف أكثر من 50 مليار درهم سنويا، وهو ما يعادل نسبة كبيرة من الناتج المحلي الإجمالي. ويشمل هذا الفساد تلاعبا ممنهجا في الصفقات العامة، إلى جانب انتشار ظاهرة الإثراء غير المشروع في أوساط الموظفين العموميين.
في خضم ذلك، تستمر الحكومة في تشنيف المسامع بالتصريحات الجوفاء التي تحاول من خلالها تصوير “مواجهة الفساد” وكأنه عملٌ ليس من اختصاصها. فمثلا، في ردّه على تقرير الهيئة الوطنية للنزاهة، صرّح الناطق الرسمي باسم الحكومة، مصطفى بايتاس، ودون أن يرمش له جفن بأن “محاربة الفساد مسؤولية الجميع”، وهي جملة لا تنطوي على التزام فعلي، بل تأتي في سياق “تبسيطي” “تسطيحي” يُفقدها أي قيمة أو معنى، ويُظهر الفساد وكأنه مجرد مشكلة مُجتمعية بسيطة، على غرار “النفاق” أو “الكذب الأبيض” وليست مرضا مستشريا في بنية الدولة ومؤسساتها.
الأفظع من ذلك هو أن”حكومة الباطرونا” التي يقودها الملياردير “عزيز أخنوش”، لم تجد أي حرج في سحب مشروع قانون تجريم الإثراء غير المشروع عام 2021، في خطوة شكلت ارهاصات أولى لتراخ واضح في الإرادة السياسية لمحاربة الفساد، ووجهت رسالة صريحة للفاسدين أن أموالهم المكتسبة بطرق غير مشروعة ستبقى بمنأى عن أي مساءلة، لأن ذلك ليس على “جدول أعمال” هاته الحكومة.
الأكيد اليوم، أن الفساد في عهد حكومة أخنوش لا يواجه رادعا حقيقيا، بل يتم إشباعه بسياق سياسي واقتصادي ملائم تماما لتوسعه وتغلغله و”تشبّعِه/تشعُبِه” في مفاصيل الدولة.
ولعل الجميع سمع التصريحات الأخيرة لـ “محمد بشير الراشدي”، رئيس الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، بشأن ضعف “تجاوب الحكومة مع توصيات الهيئة”، وتعطيلها المستمر لاجتماعات اللجنة الوطنية لمحاربة الفساد التي لم تجتمع منذ 2019، في تعارض غريب مع المقتضيات القانونية.
على الجانب الآخر، يتغذى الفساد أيضا على قرارات تشريعية تشكل تراجعا حادا عن مكتسبات المجتمع المدني، وضربا للمسار الذي قطعه المغرب في توسيع هامش الحريات في رحلته صوب “الانتقال الديمقراطي”. من بين هاته القرارت تلك المتعلقة بتعديلات المسطرة الجنائية التي ضمت فصولا وبنودا، تحدّ من قدرة الجمعيات الحقوقية على رفع دعاوى ضد المفسدين.
هذه التعديلات الغريبة، التي جاء بها عبداللطيف وهبي، “وزير العدل والحريات” “يا حسرة يا زمن”، يمكن اعتبارها من أقسى الضربات التي تلقتها الحريات المدنية في المغرب، حيث أصبح دور المجتمع المدني محصورا، وقُيّدت “أيادٍ بيضاء” كانت تسعى للكشف عن الفساد وحماية المال العام.
وزير العدل السابق مصطفى الرميد بدوره، انتقد هذه التعديلات ووصفها بأنها انقلابٌ على مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة.
والواقع اليوم، أن الحكومة ترسل رسائل متناقضة، فمن جهة تزعم أنها تعمل على مكافحة الفساد عبر إصلاحات قانونية، ومن جهة أخرى نجدها تتجنب أي لقاءات دورية لمناقشة الاستراتيجية الوطنية لمحاربة الفساد، وذلك كما لو أنها تراهن على الزمن لكي يُنسى الفساد أو يتم تجاهله، وربما تعتقد أن المواطنين سيتقبلون وعودا مستهلكة بالإصلاح، يُلقيها على مسامعهم “عزيز أخنوش”، متوسلا في ذلك بأسلوب “ممثل فاشل في التشخيص” كما “في السياسة” .
ولعمري، فإن تآكل ثقة الشعب في الحكومة هو أشد تأثيرا على المجتمع من الفساد نفسه، لأن هذا التآكل يُفقد المواطنين الأمل في الإصلاح. وتبعا لذلك، فإن الحلول الحقيقية تكمن في فرض القانون بحزم وإتاحة الفرصة للمجتمع المدني كي يؤدي دوره في حماية المال العام، إلى جانب إعطاء النيابة العامة القدرة الكاملة لملاحقة الفاسدين، وإلغاء التشريعات التي تقيد من ذلك.
أما والحال، فإذا استمر هذا الانفصال بين الخطاب السياسي والممارسة العملية، فإن الحكومة تخاطر بأن تُذكر في التاريخ كأحد “أسوأ” و “أسود” الحقب التي مر بها المغرب على مستوى تسيير شؤون الدولة ومحاربة الفساد. وإذاك، ستكون الآثار الاقتصادية والاجتماعية لهذا الفساد عميقة ومدمرة، بحيث لن ينجو منها أحد، وسيدفع الجميع الثمن. وكما يقول المثل “حين تتغاضى عن الفساد، تصبح جزءًا منه.”







