خبر سارّ لكل “سكايرية” المملكة: الحكومة وافقت أخيرا على تخفيض الضريبة الداخلية على المشروبات الكحولية في ميزانية 2024… مما يعني أن أسعار البيرة والنبيذ والويسكي والماحيا وما يدوخ عفوا يدور في فلكها، ستنخفض في الأيام المقبلة… تشين تشين!
لأول مرة منذ عشر سنوات تقرر الحكومة خفض هذه الضريبة، بدل رفعها كما كانت تصنع كل عام. الفضل بلا شك، يعود إلى “شهداء الماحيا” في سيدي علال التازي والقصر الكبير ومكناس، وعددهم بالعشرات، سيئو الحظ الذين سقاهم “الگراب” “ماء الموت” بدل “ماء الحياة”!
حكاية المغاربة مع “الشراب” “مدوخة” حقا، مثال حيّ على أن القانون لا يسطّر إلا لكي يخرق: استهلاك الكحول وبيعه “محظور على المسلمين”، لكن السلطات تستنفر كل ليلة دوريات الشرطة لحراسة البارات والعلب الليلية ومحلات الخمور، وتسهر على سير “النشاط” الذي “يشيط” كل يوم في شوارع المملكة، حريصة على إيصال بعض السكارى “المهمين” إلى بيوتهم إذا “تلفت عليهم القبلة” في نهاية السهرة، ناهيك عن المليارات المحترمة التي تجنيها الخزينة من عائدات البيع و”الترويج”، عبر الضرائب المرتفعة والشركات التي تملك جزء هاما من أسهمها. عام 2024 ارتفعت عائدات هذه الضرائب بنسبة ٪66 مقارنة من السنة التي قبلها، مما ضخ عائدات محترمة في خزينة الدولة. بعض الإحصائيات تشير إلى أن المغاربة يستهلكون نحو 120 مليون لتر كحول في السنة…
العارفون بخبايا الخمور يؤكدون أن المشروبات الرديئة تسيطر على السوق الوطنية، نظرا لما تتميز به من خاصيات تجعلها توفر “السكرة” بأقل الأسعار، وهو “أعز ما يطلب” في ليالي الفقراء الحمراء. كثير من المغاربة يقضون ليلهم بحثا عن “الدوخة” من حانة إلى حانة، ولأنهم لا يملكون ميزانية الزجاجات المحترمة، يستسلمون للثلاثي الفتاك: “السطورك” و”الماحيا” و”بولبّادر”… رغم أنها تحول شاربها إلى “كلب” حقيقي، ينبح ويعوي وينط ويتبول وسط الطريق، ناهيك عن الأعراض الجانبية من غثيان وقيء و”شقيقة” في الرأس، حفظنا الله وإياكم. لكن أخطر شيء يتهدد الباحثين عن النشوة بأقل الأثمان هو اللجوء إلى “الگراب”، بائع الخمور السرية، الذي لا يدفع الضريبة ويبيع قناني لا أحد يعرف بأي “رهج” عُبئت، ماعدا أطباء المستعجلات حين تصلهم حالات تسمم في آخر الليل، بسبب قنينة مغشوشة، أجهز عليها أحد المنحوسين وبادلته التحية بأحسن منها!
“كل ممنوع مرغوب”، ورغم أنه ليس من المؤكد أن تعديل القانون الذي يعاقب بيع الخمر وتعاطيه سيقلص عدد المستهلكين، فإن القوانين ينبغي أن تساير الواقع إذا كنا نريد بناء مؤسسات شفافة، ولا بد أن تفتش الدولة عن صيغة قانونية تستوعب هذا “النشاط” الاقتصادي. “سياسة النفاق” المتبعة حاليا لها عواقب وخيمة على المواطنين، بالإضافة إلى أنها تفتح الباب أمام مزايدات سياسية بلباس أخلاقي، فإنها تجعلنا لا نتوقف عند حقيقة كارثية تتعلق بالإدمان.
بخلاف الشعوب التي تعرف كيف تتعامل مع الكحول، غالبية من يشربون عندنا مدمنون، يحتاجون إلى علاج كي يتخلصوا من خطر يهدد حياتهم واستقرار عائلاتهم. ومن الصعب أن تحارب مرضا وأنت لا تعترف بأسبابه.
إذا أضفنا إلى المائة وعشرين مليون لتر من الكحول، ملايين الكيلوغرامات من الحشيش، وأطنان المعجون والبوفا، وملايين “البولات” الحمراء التي تشعل رؤوس الشباب… سنعرف لماذا يعيش المغاربة في شبه “غيبوبة”، لكنك لو جمعت كل المحللين السياسيين والنفسيين والاجتماعيين، لن تفهم لماذا اخترعنا تلك الحكمة العبقرية التي تقول: “تشوف حتى تعيا وتشرب الشراب !”
“تشوف حتى تعيا وتشرب الشراب”!







