إذا كان المثل المغربي يقول “اللي فراس الجمل فراس الجمالة”، فإن النسخة المحوَّرة يمكن أن تصبح “اللي فراس الجمل فراس جَمالي” لتُعبر بوضوح عن واقع سياسي يتجاوز السطح نحو سبرِ أعماق المرامي المستترة.
فالشخص الذي أوحى أو نصح رئيس الحكومة عزيز أخنوش باقتراح وفاء جمالي، سكرتيرته الخاصة في رئاسة الحكومة والمسؤولة السابقة في جمعية جود للأعمال الخيرية التابعة لحزب لأحرار، للتعيين على رأس الوكالة الوطنية للدعم الاجتماعي، يعي جيدا ما وراء هذا القرار. فهذا التعيين لا يقتصر على كونه مجرد خطوة تقنية لسد فراغ إداري، بل يفتح الباب لفهم أعمق حول الأهداف الحقيقية والخلفيات المبطنة لهُ، حتى وإن تم تقديمه للعموم في شكل قصاصة أخبار عادية وروتينية.
المفارقة تكمن في أن الحكومة، التي تدعي المُضي في طريق الإصلاح، تجد نفسها محاصرة في كل مرة بـ”تضارب المصالح”. وعندما تُقترح شخصية كانت على رأس جمعية متهمة من طرف “زعماء سياسيين” باستخدام العمل الخيري كأداة انتخابية يصبح الأمر أشبه بـ “الشطاح اللي عمرو ينسى هزة لكتف”، بل فقط يعيد في كل مرة تصميم “شطحاته” و”تضارباته المصلحية” بالشكل الذي يخدمه ويخدم دائرته الضيقة.
الواقع أن ما يجعل هذا التعيين أكثر إشكالية ليس فقط مسار جمالي المهني أو الشخصي، بل السياق الأكبر الذي يندرج فيه، لاسيما وقد جاء عقب أسابع قليلة من تعيين محمد الشرقاوي الدقاقي على رأس الشركة الوطنية للطرق السيارة.
هذا التعيين الذي مر “مرور الكرام”، اثار بدوره مخاوف كبيرة لدى مهنيين في قطاع المحروقات، من احتمال تضارب المصالح، بالنظر الى العلاقات المهنية السابقة مع عزيز أخنوش، رئيس الحكومة و”المالك الفعلي” لشركة “أفريقيا” الرائدة في مجال توزيع المحروقات، حيث كان “الدقاقي” يتولى منصب المدير العام لشركة تهيئة وإنعاش المحطة السياحية لتغازوت منذ سنة 2020.
المخاوف نبعت تحديدا، من كون مجموعة أكوا، التي يملكها عزيز أخنوش، تمتلك 25% من أسهم محطة تغازوت، بينما يستحوذ صندوق الإيداع والتدبير على 45%. وهو الوضع الذي فتح باب التكهنات والمخاوف، من أن يجد المدير العام الجديد للطرق السيارة، الذي كان سابقاً موظفاً لدى أخنوش، نفسه في موقف يتطلب منه اتخاذ قرارات تتعلق بمحطات الوقود على الطرق السيارة، التي تسيطر عليها شركة “أفريقيا”، خاصة في ضوء المشاريع الكبيرة للطرق السيارة سواء الحالية أو التي تنوي إطلاقها مستقبلا، بالتزامن مع استعدادات المغرب لاحتضان كأس العالم 2030. هذا التشابك بالضبط يجعل من الصعب تجاهل احتمال أن تتحول هذه المناصب إلى أدوات لخدمة مصالح معينة.
هكذا، أضحت “التعيينات والمناصب” على عهد “الحكومة الأخنوشية” أشبه بـ “لعبة تبادل الكراسي الموسيقية”، حيث يتم “تبادل” الأدوار الحساسة عبر شخصيات محسوبة على “صالون الاصدقاء والمقربين”.
المثال الذي يقدمه تعيين محمد الشرقاوي الدقاقي على رأس الشركة الوطنية للطرق السيارة، ووفاء جمالي على راس وكالة الدعم الاجتماعي، ينطبق بوضوح على هاته اللعبة، التي تقضي قواعدها بترتيب مجموعة من الكراسي في “دائرة” أو صف أقل من عدد اللاعبين المتنافسين، بينما يتم تشغيل موسيقى في الخلفية، لتعزف سمفونية.. “العام زين”.
وعندما تتوقف الموسيقى بشكل مفاجئ، يتوجب على اللاعبين الجلوس بسرعة على أحد الكراسي المتاحة. كل جولة يتم فيها إزالة كرسي واحد، ويخرج اللاعب الذي لا يجد كرسيا للجلوس عليه.
في هذا السياق، نجد أن هذا النمط من التعيينات يعكس انحسار “المصلحة العامة” لصالح “المصلحة الخاصة”، وكأن “المنطق الذي تعتمده الحكومة” ينبني على قاعدة الاستفادة القصوى للنخبة، وهو ما يشبه ما وصفه جورج أورويل في “مزرعة الحيوان”: “كل الحيوانات متساوية، لكن بعضها أكثر مساواة من البعض الآخر”. هنا يتجلى التفاوت الواضح بين من يتحكم في “السلطة” ومن يُفترض أن يخدمها.
لكن الحقيقة التي لا يريد أحد سماعها، هي أن المواطن المغربي اليوم لا يحتاج إلى تعيينات تستند إلى الولاء الشخصي، بل إلى زعامات حقيقية تمتلك الشجاعة لتغيير هذا المسار المظلم. “زعامات” بمقدورها استعادة الثقة المفقودة في المؤسسات العمومية، وحماية حقوق الفئات الضعيفة من “الاستغلال”، أو الوقوع ضحية لمصالح شخصية ضيقة.
وكما يقول المثل اللاتيني: “العالم ينهار، لكنني أواصل اللعب بالكمان”. وان كان في حالة حكومة اخنوش يمكن ان نغيره ليصبح “الأوضاع تنهار لكنني أواصل اللعب بالنار”، تلك النار التي قد تحرق الأخضر واليابس، وتترك وراءها آثارا مدمرة على المجتمع الذي يعاني في صمت.
وبينما تتوالى الأزمات وتتفاقم الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، تستمر الحكومة في مساعيها للحفاظ على مصالحها الضيقة، وكأن الأمور تسير بشكل طبيعي “وْما خاصنا تا خير”.







