عاد التعديل الحكومي الأخير الذي قاده رئيس الحكومة عزيز أخنوش، ليوسع دائرة الجدل حول سيطرة رجال الأعمال والشخصيات المقربة من أخنوش على مواقع حساسة في الحكومة. هذا التعديل الذي لم يكن مجرد إعادة توزيع حقائب وزارية، بل إعادة هيكلة سياسية، اثار العديد من الاستفهامات حول معايير اختيار الوزراء وقدرتهم على قيادة القطاعات المختلفة، خصوصًا في ظل خلفياتهم المرتبطة بعالم المال والأعمال، بعيدًا عن السياسة التقليدية.
أحد الأسماء التي أثارت الجدل هو “محمد سعد برادة”، الذي تم تعيينه وزيرًا للتربية الوطنية والتعليم الأولي والريادة. برادة، المعروف بقربه من أخنوش، وهو صاحب شركة “ميشوك” المتخصصة في صناعة الحلويات والبسكويت، التي تم تأسيسها سنة 1997. بالإضافة الى امتلاكه أيضا شركات في مجالات مختلفة، منها الصيدلة والحليب ومشتقاته وغير ذلك من المجالات.
هذه الخلفية أثارت المخاوف حول مدى جاهزيته لإدارة قطاع التعليم، وهو قطاع يُعتبر من أكثر القطاعات حساسية في المغرب، خاصة في ظل الاكراهات التي تواجهه مثل نقص الكفاءات والبنية التحتية التعليمية المتدهورة. مصدر مقرب من قطاع التعليم صرّح بأن “التعليم بحاجة إلى إصلاحات جوهرية، والأزمات الحالية تتطلب وزيرًا بخبرة في هذا المجال وليس فقط في إدارة الشركات.”
في السياق نفسه، جاء تعيين “كريم زيدان” وزيرًا منتدبًا مكلفًا بالاستثمار والتقائية السياسات العمومية خلفًا لمحسن الجزولي. زيدان، الذي تولى مهام منسق لحزب التجمع الوطني للأحرار في ألمانيا، ويمتلك خبرة في تطوير المحركات من خلال عمله مع شركة “بي إم دبليو”، هو أيضًا رائد أعمال أسس شركة استشارية “زيد-كون”. رغم هذا، يبقى السؤال مطروحًا حول مدى قدرته على المواءمة بين خبرته التقنية وإدارة السياسات العامة. مصدر من حزب سياسي معارض قال: “تطوير محركات السيارات شيء، وإدارة السياسات العمومية والاستثمار على مستوى الدولة شيء آخر.”
أمين التهراوي، الذي تم تعيينه وزيرًا للصحة والحماية الاجتماعية خلفًا لخالد آيت الطالب، كان المفاجأة الأكبر في هذا التعديل. التهراوي كان يشغل منصب نائب الرئيس التنفيذي لمجموعة “أكسال”، المملوكة لزوجة أخنوش. رغم خبرته الواسعة في قطاع الأعمال وتطوير المراكز التجارية، يثير تعيينه في هذا المنصب الاستغراب حول مدى ملاءمته لإدارة قطاع الصحة الذي يمر بأزمة خانقة في المغرب. مصدر نقابي في قطاع الصحة قال: “من غير الواضح كيف يمكن لشخص من خلفية تجارية أن يقود إصلاحات حقيقية في قطاع معقد مثل الصحة، لاسيما في ظل الورش الكبير لتعيمم الحماية الاجتماعية”.
في المقابل، احتفظت “نادية فتاح العلوي” بمنصبها كوزيرة للاقتصاد والمالية، وهي أول امرأة تتولى هذا المنصب في المغرب. رغم أن خلفيتها الاقتصادية تعزز من ثقة البعض بها، إلا أن هناك من يرى أن توليها المنصب في فترة اقتصادية صعبة قد يشكل تحديا كبيرا. “نادية فتاح أثبتت كفاءة في إدارة الملفات المالية، ولكن المرحلة الحالية تتطلب شخصا يمتلك قدرة على التعامل مع الأزمات الاقتصادية العالمية والمحلية”، صرح خبير اقتصادي.
على صعيد آخر، برزت في هذا التعديل الحكومي أسماء اخرى تعتبر بمثابة “علبة أسرار” لاخنوش، في مقدمتهم أولائك الذين رافقوه طوال فترة توليه وزارة الفلاحة لمدة 15 سنة.
الحديث هنا عن أحمد البواري، الذي عين خلفا للصديقي على رأس وزارة الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات. البواري كان يشغل قبل التعيين منصب مدير الري بالوزارة، اشرف على عدة مشاريع استراتيجية مثل محطة تحلية المياه باشتوكة أيت باها. إلى جانبه، زكية الدريوش، التي عينت ككاتبة الدولة لدى وزير الفلاحة والصيد البحري المكلفة بالصيد البحري والتي شغلت منصب الكاتبة العامة لقطاع الصيد البحري وتعتبر “العلبة السوداء” لعزيز أخنوش، نظرًا للصلاحيات الواسعة التي كانت تحظى بها.
أما “فاطمة الزهراء عمور” وزيرة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي و”مصطفى بيتاس” الوزير المنتدب لدى رئيس الحكومة، المكلف بالعلاقات مع البرلمان، فقد حافظا على مواقعهما، مع استمرار دورهما في تعزيز الروابط مع حزب التجمع الوطني للأحرار وقيادة الملفات المهمة. فيما نال الحسن السعدي، رئيس الفيدرالية الوطنية للشبيبة التجمعية، الذي يُعتبر من المقربين جدا لأخنوش، ويستمر في تقديم الدعم السياسي والإعلامي لرئيس الحكومة، (نال) حقيبة كاتب دولة لدى وزيرة السياحة المكلف بالصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني.
وتؤكد المصادر، أن هذا التعديل الحكومي يعكس رغبة أخنوش في الإبقاء على دائرته المقربة وتعزيز نفوذ رجال الأعمال داخل الحكومة. ورغم المخاوف المطروحة حول مدى قدرة هذه الشخصيات على إدارة القطاعات الحكومية الحساسة، يبقى الحكم على أدائهم مرهونًا بالنتائج التي سيحققونها في مواجهة الملفات الاجتماعية والاقتصادية الحارقة.







