غادر يحيى، لعلّ فلسطين بعده تحيا. ترجلّ عن صهوة المقاومة، كما يليق بقائد وطنيّ ثائر. رقص على أزيز رشّاشه إلى آخر طلقة. نزف ككلّ المقاومين على درب الاستقلال. وحين استشعر دنوّ الأجل، جلس على أريكة، ليفسح المجال أمام ميلاد الأسطورة…أسطورة اسمها يحيى السنوار.
منذ اليوم، لن يعبر تاريخ المقاومة إلى سواعد الأجيال القادمة، بمعزل عن السنوار. ستتناقل الألسن والكتب والصّور، حكاية فارس جريح أرعب الاحتلال حيّا وشهيدا. لن يروى تاريخ تحرير الأرض، دون رجل شرس قاوم لآخر طلقة، وحين نفذت ذخيرته حذف محتلّه بعصى. لكنّ المحتلّ كان أجبن من أن يلتحم التحام الرّجال، فقصفه بدبّابة.
رحل السنوار بعد أن كَلّ الزّناد من إصبعه. ظلّ قلبه معلّقا بأهداب القدس الشّريف إلى آخر نفس. عبر إلى اللّه بكامل زينته فوق الأرض، لا تحتها كما كان يدّعي الاحتلال. وكلّ ما كان يفصله عن جحافل مخابرات العدوّ، هو كوفيّة فلسطينيّة أوفى من السّموأل.
سيظلّ المشهد الختامي للأسطورة السنوار، غصّة في حلق قادة العدوّ. وكيف لا، وقد حرمهم لذّة الانتصار على جسده الهزيل الّذي عانقه ركام البيت. لم يكن السنوار وحيدا في المعركة الأخيرة كما نعتقد، بل قاتلت معه الأرض. وهل تقاتل الأرض إلّا مع أصحابها! لم يكن السنوار وحيدا في مشهده الأخير كما نتصوّر، بل شدّت أزره عصا خشبيّة، بينما تخلّى عنه إخوة “من المحيط إلى الجحيم…من الجحيم إلى الخليج”، كما وصفهم درويش.
طارد السنوار ملك الموت في شوارع غزّة ودروبها، دون أن يرفّ له جفن. وفي ختام المشهد عثر عليه بتلّ السّلطان. فكان سلطان المقاومة الّذي تسلطن على العدوّ من فوق أريكة. لقد قاد المقاومين على خطوط النّار الأولى، والتحم مع جيش الاحتلال بدل المرّة عشرة. وبذلك نجح في تمريغ أنف الاحتلال في الوحل حيّا وحيّا. فشهداء الاستقلال لا يموتون. حارب كما يحارب نبلاء السّاموراي، ولم يختبئ خلف ذروع بشريّة كما زعم العدوّ. لم يتحصّن بأجساد الأسرى والمختطفين، كما قالت سرديّة المحتلّ. وبرهن على مرأى ومسمع من العالم أجمع، أنّه أكبر من تلك السّرديّة بسنوات ضوئيّة. ببساطة عرف كيف يسخر من مخابرات أقوى جيش في المنطقة، ويحرمه لذّة صورة الانتصار عليه. وما من سبيل إلى الانتصار على رجل يتنفّس الحريّة، ومستعدّ لدفع دقّات قلبه ثمنا لها.
يحيى السّنوار ستسير بحديثه الرّكبان، وسيظلّ شاهدا لا على غطرسة العدوّ ووحشيّته فقط، بل على غبائه العابر للقارّات أيضا. وكيف لا، وإشادات أحرار العالم بموقف السنوار البطوليّ لم تتوقّف حتّى اللّحظة. لن تكفي الاحتلال الإسرائيلي أموال الأرض لمحو أسطورة السنوار، تماما كما لم تكفي عرّابتها أمريكا أفلام هوليود لمحو “تشي غيفارا” أو “هوشي منه”.
صحيح أنّ السنوار قد رحل، لكن سيبقى دين الفلسطينيّين وديدنهم هو مطاردة فجر الاستقلال أو يهلكوا دونه. قدرهم أن يقاوموا بشتّى الطّرق محتلا غاصبا، ومجتمعا دوليّا متواطئا. سيموتون فرادى وجماعات من أجل الحريّة والكرامة الانسانيّة. لا شيء يظلّ على حاله، وبالقدر الّذي ماتت فيه نخوة الأشقّاء، فإنّ جامعات غربيّة ثارت من أجل الحقّ الفلسطيني. ومن يثور من الطّلّاب اليوم، هو من سيقود الحكومات غدا. ومن يتّمهم الاحتلال اليوم، هم من سيرفعون البنادق ضدّه بعد بضع سنين.
لم يعد العالم يذكر آخر قائد قضى نحبه على الخطوط الأماميّة لمقاومة الاستعمار. لكنّه سيتغنّى بالأسطورة السّنوار لعقود قادمة. رجل قاوم المحتلّ بعصا خشبيّة، فعبّد الطّريق أمام جيل حاقد صنعته القنابل الاسرائيليّة الّتي دكّت غزّة. رحل السّنوار، لكنّ صورته استوطنت مخيال المقاومة. وإن كان العالم قد تفاجأ في السّابع من أكتوبر، فإنّ المفاجأة ستكون أعنف في المستقبل بكلّ تأكيد.
السنوار.. ميلاد أسطورة







