نهاية التسعينيات، كنت أتابع دراسات عليا في جامعة فانسان-ساندوني، وهي كليّة معروفة بتوجهها اليساري، تأسست نهاية الستينيات كامتداد معرفي لثورة ماي 68، كانت تُعْرَف ب “المركز الجامعي التجريبي”، وتهدف إلى دَمقرطة الوصول إلى المعرفة وتفكيك الإشكاليات التي يطرحها عالمنا المعاصر، بأكثر المناهج جرأة وحداثة. مختبر ثوري. لم تكن الكليّة تحفل بالشهادات، تدخل إليها “خفيفا” وتخرج منها “خفيفا”، بلا دبلوم. غير أنها سرعان ما تحولت الى مؤسسة أكاديمية تحمل اسم “باريس8″ تسلم الليسانس والميتريز والماستر والدوكتوراه كغيرها من الجامعات، وانتقلت من ضاحية فانسان إلى ساندوني عام 1980، مع الحفاظ على روحها المتمردة على المواضعات، المنفتحة على العالم ورهاناته الأكثر تعقيدا. في هذه الجامعة درّس ميشال فوكو وجيل دولوز وجاك ديريدا وألان باديو وجورج لاباساد وميشال دوغي وباتريس بافيس… وكثيرٌ من أخطر الأدمغة الفرنسية في نهاية القرن العشرين. ومازال أساتذتها معروفين بمواقفهم المساندة للمهاجرين ونضالات العالم الثالث، في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية والعالم العربي، أو ما أصبح يسمى اليوم ب”الجنوب الشامل”.
في تلك السنوات البعيدة، كان كل من وصل إلى باريس وقرر البقاء في فرنسا، يأتي إلى جامعة فانسان-ساندوني كي يتسجل، حتى لو لم يكن يتوفر على أي شهادة. “السنطيحة” تكفي، والتعاطف مع المهاجرين يصنع المعجزات. كثيرون دخلوا الى الجامعة بلا باكالوريا وخرجوا منها دكاترة!
لكن مع مرور السنوات، تحولت باريس 8 إلى جامعة “عادية”. وانتهت بأن أدارت ظهرها للطلاب الذين لا يملكون أوراق إقامة، على غرار شقيقاتها الباريسيات، “السوربون” و”أساس” و”دوفين”وغيرها. الحقيقة أن بعض الطلاب “الحرّاگة” هم من دفع الجامعة إلى التخلي عن استقبال زملائهم المقيمين بصفة غير قانونية. إذ وجدت الإدارة نفسها في مأزق بعد أن خاض هؤلاء الطلاب اعتصاما طويلا في المدرجات، يطالبون فيه الجامعة بالتدخل لدى ولاية الشرطة كي تمنحهم أوراق الإقامة. “من لحيتو لقم ليه”. كيف تحتجّ على جامعة ذنبها الوحيد أنها غضت الطرف على وضعيتك غير القانونية وسمحت لك بالتسجيل؟
كنت شاهدا على الشد والجذب بين الإدارة والمعتصمين، المسنودين بجماهير واسعة من الطلاب والأساتذة… معركة استنزاف دامت أسابيع طويلة. في النهاية، ربح المعتصمون المعركة ومنحتهم “البريفيكتور” أوراق الإقامة، لكنهم “كحّلوها” على من جاء بعدهم، لأن ولاية الشرطة، كي توافق على تسليمهم أوراق الإقامة، أجبرت الإدارة على وضع شروط جديدة للتسجيل ابتداء من الموسم الموالي، تتضمن ضرورة توفر الطالب الأجنبي على أوراق إقامة أو تأشيرة دراسة، كي لا تتكرر المهزلة. نهاية طبيعية. يسجّلونك دون قيد أو شرط، وفي النهاية تنام لهم في المدرج وتعرقل الدراسة وتقول لهم: مادمتم قبلتم تسجيلي أنتم ملزمون بأن تتدبروا لي الأوراق…. “عمر داود ما يعاود”. هكذا سيجد عشرات الطلاب أنفسهم محرومين من التسجيل، في الأعوام الموالية، بسبب حفنة من الأنانيين، يرفعون شعار: أنا ومن بعدي الطوفان.
“ما دّير خير مايطرا باس”. منذ تلك السنة، لم تعد باريس 8 تقبل أي طالب أجنبي قبل التأكد من إقامته القانونية. أصبح التسجيل يجري عبر مرحلتين: بيداغوجية وإدارية. المرحلة البيداغوجية يشرف عليها الأساتذة في سوكرتارية الشعبة. المدرسون رفضوا قرار الادارة، طبعا، وظلوا متعاطفين مع الطلاب، لذلك بقي التسجيل البيداغوجي سهلا. يكفي أن يوقع لك رئيس الشعبة على ورقة تحمل اسمك وشهاداتك وتخصصك كي تصبح مقبولا، لكنك لن تحصل على بطاقة الطالب إذا لم يضع لك قسم التسجيلات الإدارية خاتما على تلك الورقة.
في بداية الموسم الدراسي، كان كثير من الطلاب المقيمين بصفة غير قانونية، “يعتصمون” أمام مكتب التسجيل الإداري، حاملين أوراقهم، في انتظار الفرج. يفتشون عن حل سحري يجعلهم يحصلون على بطاقة الطالب. ولأن الحاجة أم الاختراع، فقد انتهوا بأن أبدعوا خطة جهنمية: يدخل واحد منهم ويطلب من الموظفة المسؤولة عن التسجيل شيئا يجعلها ترافقه للخارج، بمجرد ما تخرج يتسلل طالب ومعه دزينة من الأوراق لا ينقصها الا الخاتم السحري، يأخذه ويشرع في مهرها مسجلا رفاقه المنبوذين. بهذه الطريقة نجا عشرات الطلاب من الطرد وتمكنوا من مواصلة الدراسة، رغم وضعيتهم غير القانونية!
كل ذلك أصبح اليوم من الماضي، بعد أن اكتسحت الفاشية العقول والفصول والمدرجات، وأصبحت أجواء باريس8، التي تنتصر للأخوة والإنسانية، تسمى “ووكيزم” (Wokisme) وأساتذتها يوصفون ب”اليساريين الإسلامويين”، فقط لأنهم يتعاطفون مع ضحايا الاضطهاد ومع المهاجرين والحلقات الأضعف في المجتمع الفرنسي… لقد تغيرت فرنسا كثيرا. إذا تظاهرت اليوم دعما لفلسطين أنت “ووكيست”، وإذا تعاطفت مع المهاجرين انت “ووكيست”، وإن مدحت ميلانشون أنت “ووكيست” و”معاد للسامية”…
لقد بسطت الفاشية نفوذها على بلد الأنوار.
وأصبحت جامعة فانسان-ساندوني مجرد ذكرى جميلة، لثورة وردية أحيت شعار الجمهورية: الحرية والمساواة والإخاء… قبل أن يختفي الثلاثي الشهير في ظروف غامضة، ويصبح الدفاع عن “الإخاء” اليوم تهمة ودليلا دامغا على الانتماء لـ”الإخوان المسلمين”!
سنوات Paris 8







