حذرت دراسة حديثة صادرة عن جمعية أطاك المغرب من خطورة السياسات الحالية لتدبير الموارد المائية في المغرب، مؤكدة أنها تعمق الفجوة الاجتماعية وتفاقم أزمة ندرة المياه.
وأبرزت الدراسة، التي حملت عنوان “تدبير الثروة المائية بالمغرب: استحواذ، نهب، وتسليع”، أن هذه السياسات تخدم مصالح كبار الفلاحين والشركات التصديرية على حساب الاحتياجات الأساسية للسكان، ما ينذر بأزمات اجتماعية وبيئية مستمرة.
وأوضحت الدراسة أن سياسات تدبير المياه منذ الاستقلال، لم تنحرف عن الخط العام الذي رسمه المستعمر، حيث استهدفت بالأساس توجيه الموارد المائية لدعم زراعات موجهة للتصدير، على غرار محاصيل البطيخ والأفوكادو، التي تتطلب كميات كبيرة من المياه. كما انتقدت الاعتماد المفرط على سياسة السدود، التي روجت لها الدولة كحل استراتيجي، معتبرة أنها لم تحقق الأهداف المعلنة بسبب سوء الإدارة وغياب الرقابة، فضلاً عن تكاليفها الاقتصادية والبيئية العالية.
في السياق ذاته، كشفت الدراسة أن القطاع الزراعي يستهلك حوالي 85% من الموارد المائية في البلاد، رغم أنه يغطي فقط 19% من الأراضي الفلاحية، حيث يركز على الزراعات الموجهة للتصدير التي يستفيد منها كبار الفلاحين. وفي المقابل، تم تهميش الأراضي البورية التي تشكل أكثر من 80% من المساحات الزراعية بالمغرب، “ما يزيد من هشاشة الأمن الغذائي الوطني” .
من جهة أخرى سلطت الدراسة الضوء على مشاريع تحلية مياه البحر، التي وصفتها بأنها “حلول ظرفية” ذات تكلفة اقتصادية واجتماعية مرتفعة، حيث تبلغ تكلفة إنتاج المتر المكعب من المياه المحلاة بين 4.5 و5 دراهم، وهو ما يعادل ثلاثة أضعاف تكلفة المياه العادية، مما يضع عبئاً ثقيلاً على صغار الفلاحين. كما حذرت من الآثار البيئية لهذه المشاريع، مثل زيادة ملوحة المياه وخطر المواد الكيميائية السامة على النظام البيئي البحري.
وفي السياق نفسه، انتقدت الدراسة مشروع ربط الأحواض المائية بين الجهات، معتبرة أنه يخدم كبار المستثمرين أكثر من تحقيق العدالة المائية، مع تحويل المياه إلى “سلعة” يتم تسعيرها حسب المصلحة التجارية.
ورصدت الدراسة أمثلة عديدة من المقاومة الشعبية ضد ما وصفته بـ”نهب الموارد المائية”، مثل نضالات سكان إميضر ضد استنزاف المياه الجوفية من قبل شركة معادن، واحتجاجات طنجة ضد شركة أمانديس بسبب ارتفاع أسعار الفواتير وتردي الخدمات. كما وثقت احتجاجات قرى مثل بن صميم وتارميلات، التي عانت من خصخصة مياه العيون وغياب العدالة المائية.
واختتمت الدراسة بتقديم بدائل للسياسات المائية الحالية، داعية إلى استعادة الموارد المائية كملك عام تحت رقابة شعبية ديمقراطية، ووقف تصدير المنتجات الزراعية المستنزفة للمياه. كما طالبت الجمعية بوضع سياسات تحقق السيادة الغذائية، مع التركيز على تلبية احتياجات المواطنين الأساسية بدلاً من خدمة الأسواق الدولية.
كما اشارت الدراسة إلى أن السياسات المائية الراهنة لا تساهم فقط في تعميق الفجوة الاجتماعية والاقتصادية، بل تهدد أيضاً مستقبل البلاد المائي، حيث قد يصل العجز المائي إلى 7 مليارات متر مكعب سنوياً بحلول عام 2050. وفي ظل تفاقم الظواهر المناخية مثل الجفاف، حذرت الدراسة من عواقب اجتماعية وخيمة ما لم تتم مراجعة الاستراتيجيات الحالية جذرياً.







