من بين الحِرَف الجميلة التي دهسها قطار التكنولوجيا، مهنة المصور، الذي كان يقصده المغاربة كي يأخذوا تذكارا، لوحدهم أو مع العائلة، وراء باقة ورد اصطناعية، ويرجعون إلى الأستوديو فرحانين بعد أسبوع لسحب الصورة، بعد أن تقضي وقتا محترما في “المختبر”، حيث يحمضها و”يفزكها” ويعلقها… وغير ذلك من العمليات الغريبة، التي لن يعرفها جيل “السيلفي” و”الستوري” و”الريلز”!
معظم المصورين العموميين لم يكونوا يتقاضون ثمن الصورة إلا وقت مجيء الزبون لسحبها، وهنا المشكلة، لأن بعضهم لم يكن يعود أبدا، ويترك وجهه تذكارا للمصور، مع كثير من الحسرة، على الوقت والجهد الذي بذل دون مقابل. يسرقون عرق الرجل ويتركون صورتهم تتكمش في الأستوديو…
كي يضع حدا للمهزلة، تفتقت عبقرية أحد المصورين عن فكرة جهنمية، تتيح له القصاص من الزبائن الذين لا ينقصه “النظر في وجههم العزيز”: كان يعلق صورهم على واجهة المحل، ويكتب فوقها بالبنط العريض: “صور المزاليط”…
الخطة أظهرت نجاعة منقطعة النظير. “دقة ببطلة”. في أقلّ من أربع وعشرين ساعة يظهر أصحاب الصور واحدا تلو الآخر، ويختفي الألبوم المشبوه من واجهة المحل، خصوصا أن معظم من يذهبون للأستوديو لأخذ صور تذكارية هم من عشاق التباهي و”الفوحان”، الخاوي طبعا، وقد أصابهم المصور في مقتل حين علق “كماراتهم” على واجهة المحل، ووصفهم بـ”المزاليط”، ضاربا لهم “الطرّ” أمام الرائح والغادي!
تذكرت هذه الحيلة الطريفة التي لجأ إليها المصور الظريف، حين سمعت مقررة مجلس النواب تتلو أسماء البرلمانيين الذين تغيبوا عن جلستي 4 و11 نونبر الماضي، على سبيل “ضريب الطرّ” أمام المغاربة، وهي فكرة جهنمية أصابت النواب “الكسالى” في مقتل. لائحة المتغيبين كانت طويلة، وكثير من الأسماء تردّد غيابها في الجلستين، مما يعني أنهم متعودون على “السليت”. ولا يسعنا إلا أن نحيي مبادرة مكتب مجلس النواب على أنجح عملية “تشهير” مباشرة على التلفزيون، وعلى عواقبها الحميدة.
الأمر يتعلق بالنواب المتغيبين بلا عذر أو تبرير، وكلّهم “ضربو الطمّ”، في انتظار أن تسقط “شوهتهم” بالتقادم، إلا واحدا… هو نور الدين مضيان، النائب الاستقلالي، الذي لم يتحمّل ورود اسمه في لائحة “الكسالى”، بعد 28 سنة من “السربيس” تحت القبة، وقرر أن “يُخَرِّج َ عينيه” عبر رسالة إلى لجنة الأخلاقيات في المجلس، حرص على تسريبها إلى الصحافة، يحتج ويتحجج بمشاركته في نشاط مرتبط “بالاحتفال بالذكرى 49 لتخليد المسيرة الخضراء المظفرة”… لذلك لم يحضر. كأن حضوره لاحتفالات عيد المسيرة هو ما سيحسم ملف الصحراء في الأمم المتحدة. تبارك الله على عمر هلال. العذر أقبح من “الزبلة”. أولا، المسيرة الخضراء خرجت في 6 نونبر وليس في 4 نونبر، ثم إن حضور البرلماني في احتفالات “المسيرة” لن تزيد ولن تنقص، لكن غيابه عن جلسة البرلمان يعتبر إخلالا بواجبه، الذي يتقاضى مقابله تعويضات سخية، وظيفة البرلماني الأساسية هي حضور الجلسات وطرح الاسئلة ومناقشة القوانين والتصويت على التشريعات، وليس الجلوس على المنصة جنب الوالي والعامل والقايد والأجواق الموسيقية، للاحتفال بعيد المسيرة…
مقارنة مع كثير من البلدان المتقدمة، يتقاضى البرلمانيون المغاربة رواتب محترمة وتعويضات سخية. ناهيك عن النقل المجاني في الدرجة الأولى عبر القطار، والإعفاء من رسوم الطريق السيار، و800 درهما تعويضا عن المبيت لمن يسكنون خارج العاصمة، وتذاكر طائرة بتخفيض 60%، وما لايقل عن 800 درهم كتعويضات عن البنزين كل شهر، وأكثر من ألفين درهم لليوم خلال السفر في مهمة للخارج، دون الحديث عن التعويضات الإضافية لمن يرأسون اللجان ويتقلدون مسؤوليات في المجلس… لذلك ليس من المقبول أبدا أن يتقاعسوا عن تأدية مهامهم، وأن يتغيبوا عن الجلسات بلا مبرر، إنها قمة الاستهتار.
آن الأوان كي يفهم السياسيون والمنتخبون ومن ينوون الترشح أن “برلماني” ليست ريعا ولكنها مسؤولية، تتطلب الحضور والمشاركة والالتزام. مسؤولية سياسية وأخلاقية.
الطامة الكبرى أن نحو ثلاثين نائبا يوجدون في السجن أو مهددون بدخوله، ومع ذلك لا أحد منهم فقد درهما واحدا من تعويضاته، لأن هناك فراغا قانونيا يسمح لهم بالاستمرار كممثلين للأمة حتى وهم وراء القضبان. القانون الحالي يتيح لهم البقاء في المنصب حتى استنفاد كل مراحل التقاضي، علما أن الانتهاء من الاستئناف والنقض يحتاج الى أكثر من ولاية برلمانية، وهناك تواطؤ بين الأحزاب في عدم تغيير القانون لأنهم تقريبا كلهم معنيون بالملاحقات القضائية. وإذا استمرّ سقوط البرلمانيين بين أيدي العدالة بهذه الوتيرة، سيجد رشيد الطالبي العلمي نفسه مجبرا على فتح ملحقة للبرلمان في “عكاشة”، ما دامت الصفة والتعويضات لا تسقط عن النواب المعتقلين.
بابور الصغير ورشيد الفايق وعبد النبي البعيوي ومحمد مبدع… وبقية المبدعين، مازالوا يتمتعون بكل امتيازاتهم كنواب للأمة، وإن لم ترد أسماؤهم في لوائح المتغيبين، فلأن لديهم عذر، هو أنهم وراء القضبان…. قمة الإبداع!
النداء بالأسماء!







