الشبهات الكثيرة التي أصبحت تلاحق كيفية تفصيل بعض المناصب في التعليم العالي لصالح مسؤولين داخل وزارة برادة، تستدعي من هذا الأخير المبادرة لفتح تحقيق عاجل، لأن الأمر يتعلق بالجمع بين منصبين.
تحقيق يجب أن يكون مقرونًا بالمحاسبة، لوقف نوع جديد من “الريع الناعم” الذي انطلق مسلسله منذ سنوات في غفلة من الجميع، قبل أن يفتضح أمره، في انتظار أن يفتضح أمر من غرقوا في نعيمه.
الوزير برادة يكفيه الاطلاع على لوائح الذين حصلوا على مناصب في التعليم العالي من داخل الوزارة في السنوات الأخيرة، لفهم كيف تتم اللعبة، واكتشاف من يقفون وراء تفصيل هذه المناصب التي أصبحت بقدرة قادر حكراً على من ينتمون إلى رقعة جغرافية معينة دون غيرها. وهو أمر يسري بالأساس على مركز تكوين المفتشين، ومركز التخطيط والتوجيه الوطني، والمراكز الجهوية لمهن التربية والتكوين.
الأمر يتجاوز العبث في المناصب وإقصاء ذوي الكفاءات، وتحويل هذه المهام إلى هدايا لمسؤولين، بعضهم لن يضع قدميه إطلاقًا داخل المعاهد والمراكز التي حصل فيها على منصب جديد براتب سمين بمنطق “شد ليا بلاصة معاك”.
ما يحدث يوجه ضربة موجعة لما تبقى من مصداقية المؤسسات والمراكز والمعاهد المعنية، كما ينزع الثقة والشفافية عن المباريات التي تعلنها الوزارة. لقد عاينا كيف تدحرجت عدد من الفضائح في ظرف وجيز، مثل كرة ثلج، انطلاقًا من مباريات أطر الأكاديميات وصولًا لمباريات التفتيش التي ولدت احتجاجات عارمة، قبل وضع حبة كرز فوق الكعكة من خلال الإعلان عن نتائج متعلقة بمناصب في التعليم العالي، والتي أكدت أن من يطرزون المناصب يواصلون عملهم دون حسيب ولا رقيب.
برادة عليه القطع مع هذا الريع، وأن يبعد محيطه الضيق عن هذا “اللعب” الذي وصل قبة البرلمان، لأن وزارة “باب الرواح” لديها ما يكفيها من المشاكل والملفات الساخنة، ولا حاجة لها بالمزيد من الملفات…
وزير التربية الوطنية السابق سعيد أمزازي، انتبه لجزء من اللعبة لكن بشكل مقلوب، حين أصدر مذكرة لرؤساء الجامعات، دعا فيها لوضع حد لظاهرة جمع بعض الأساتذة الجامعيين بين الوظيفة في الدولة والعمل في القطاع الخاص.
وأشارت المذكرة إلى أنه “في إطار تحيين وتتبع وضعيات العاملين بقطاع التعليم العالي والبحث العلمي، توصلت الوزارة بمعلومات تفيد بأن بعض الأساتذة الباحثين يزاولون مهام أخرى موازاة مع مهامهم الأصلية بالجامعة، وهم مسجلون في جداول هيئات المحامين أو هيئات المحاسبين أو غيرها من الهيئات، وذلك خلافًا لما تنص عليه مقتضيات المادة 15 من قانون الوظيفة العمومية”.
ودعا أمزازي، في ذات المذكرة، رؤساء الجامعات لمراسلة الهيئات المهنية التابعة للنفوذ الترابي المتواجدة فيه الجامعة، من أجل موافاتهم بأسماء الأساتذة المسجلين لديها موازاة مع مهامهم كأساتذة جامعيين، “وذلك حتى يتسنى البث في مثل هذه الحالات واتخاذ الإجراءات اللازمة”.
مبادرة الوزارة جعلت بعض النقابات التعليمية تدعو للتحلي بنفس الصرامة لفتح ملف “ريع” المناصب بالتعليم العالي، ومعاهد التكوين، والبحث العلمي، بعد أن أثار سؤال برلماني “تفصيل هذه المناصب على المقاس”، واحتكارها في ظروف مشبوهة وخالية من الشفافية من طرف فئة معينة.
وسبق للفريق الاستقلالي أن طالب وزير التربية الوطنية والتكوين المهني والتعليم العالي والبحث العلمي بسط الإجراءات التي تعتزم الوزارة اتخاذها بشأن هذا الملف في إطار المطالب النقابية المتصاعدة بفتح تحقيق عاجل لكشف جميع خباياه.
ونبه الفريق الاستقلالي إلى أن مجموعة من الدكاترة الموظفين الذين يشاركون في مباريات الانتقاء لولوج مناصب أساتذة التعليم العالي يشتكون من تهميشهم وإقصائهم من المناصب التحويلية بطريقة غير مباشرة.
وأورد السؤال أن أغلبية هذه المناصب “تكون على المقاس”، وهو ما يؤكد “وجود أزمة شفافية في التدبير”، ما يستدعي من الوزارة “اعتماد شروط ومواصفات دقيقة”، لإنهاء التحكم في هذه المناصب وتفصيلها، وهو الوضع الذي استمر بعد انكشاف طبخات جديدة.
لا دخان بدون نار…







