في خطوة أثارت جدلا واسعا، يستعد المغرب لاعتماد قانون جديد يتيح للبنوك بيع الديون المتعثرة للأسر والشركات، في سوق تُقدّر قيمتها بنحو 10 مليارات دولار. القرار الذي يُنظر إليه من طرف الدولة كإصلاح مالي يستهدف تخفيف العبء عن القطاع المصرفي، يُثير في المقابل مخاوف عميقة بشأن تداعياته الاجتماعية والاقتصادية، وسط شكوك حول قدرته على تحقيق التوازن بين مصالح البنوك وحقوق المدينين.
بحسب المعطيات الرسمية الصادرة عن بنك المغرب، ارتفعت قيمة الديون المتعثرة لتصل إلى 98 مليار درهم (ما يعادل 9.8 مليار دولار)، بما يمثل 8.6% من إجمالي الائتمانات البنكية، ونحو 7% من الناتج المحلي الإجمالي. هذه الأرقام تعكس تضاعف حجم الديون خلال العقد الأخير، نتيجة لتراكم أزمات اقتصادية داخلية وخارجية، بدءاً من التداعيات الهيكلية للاقتصاد الوطني، مروراً بجائحة كورونا، وصولاً إلى التأثيرات العالمية مثل ارتفاع أسعار الطاقة وتباطؤ النمو.
منظور البنوك: الفرصة الذهبية للتعافي
بالنسبة للقطاع المصرفي، يمثل القانون المرتقب فرصة لإعادة هيكلة الميزانيات العمومية وتحسين ملاءتها المالية، بحيث أن وجود سوق ثانوية لنقل الديون المتعثرة إلى جهات متخصصة سيتيح للبنوك تحرير سيولتها، وتوجيهها إلى أنشطة تمويلية أكثر إنتاجية. وفي ظل احتياجات السيولة التي تُقدر بـ120 مليار درهم سنوياً، تُعد هذه الخطوة ضرورة بحسبها، خاصة مع تشديد المعايير الدولية بشأن الملاءة المالية.
من جهته، وعد بنك المغرب بأن السوق الثانوية ستوفر بيئة “فعالة وشفافة” لبيع هذه الديون، مع تزويد المستثمرين ببيانات دقيقة تُمكّنهم من تقييمها. كما أشار إلى أن القانون سيعمل على إزالة العقبات القانونية التي كانت تعرقل نقل هذه الديون، من خلال تبسيط إجراءات التحصيل وإلغاء شرط موافقة المدين.
الأسر والشركات: الضحية المحتملة؟
لكن بعيداً عن خطاب الإصلاح الاقتصادي، يواجه هذا المشروع انتقادات حادة، خصوصا من جانب الأسر والشركات الصغيرة، التي قد تجد نفسها أمام عقبات جديدة. فتح السوق لشركات متخصصة في شراء الديون قد يعني تصعيداً وتضييقا كبيراً في إجراءات التحصيل، وهي الشركات التي غالباً ما تُعرف باستخدام أساليب “قاسية” قد تصل إلى تهديد الأمن الاجتماعي.
الأسر المثقلة بالديون، التي غالباً ما تكون رهينة ظروف اقتصادية قاسية، تخشى أن يؤدي بيع ديونها إلى أطراف ثالثة إلى فقدان السيطرة على التفاوض بشأن الأداء، خصوصاً مع إلغاء شرط موافقتها على نقل الديون. وبالنسبة للشركات الصغيرة والمتوسطة، التي تمثل العمود الفقري للاقتصاد الوطني، فإن المخاوف تتضاعف، إذ يُرجح أن تُعامل من قِبل المستثمرين في هذه السوق باعتبارها فرصاً للربح غوضا من شركاء اقتصاديين يحتاجون لدعم يُمكّنهم من الاستمرار.
الاكراهات القانونية والأخلاقية
من الزاوية القانونية، فإن مشروع القانون يفتح المجال أمام أسئلة جوهرية حول حماية حقوق المدينين. إلغاء شرط موافقة المدين قد يسرّع الإجراءات، لكنه يضعف قدرة الأسر والشركات على الاستئناف أو التفاوض. إلى جانب ذلك، يثير موضوع نقل البيانات الشخصية إلى أطراف ثالثة قلقاً حول الخصوصية، خصوصاً في ظل غياب ضمانات واضحة بشأن استخدام هذه المعلومات بشكل أخلاقي وقانوني.
الإصلاح أم المغامرة؟
من جانبهم يرى خبراء ماليون ومحللون اقتصاديون أن تحرير البنوك من أعباء الديون المتعثرة خطوة ضرورية لتعزيز استقرار القطاع المالي. لكنهم يُجمعون على أن تنفيذ هذا الإصلاح بطريقة متسرعة ودون ضمانات كافية قد يؤدي إلى تعميق الفجوة الاجتماعية، وزيادة معاناة الأسر والشركات الصغيرة.
بالمقابل، تُطرح أسئلة اخرى حول غياب بدائل أقل خطورة، مثل برامج إعادة الجدولة المدعومة، أو إنشاء صناديق خاصة لمعالجة الديون بطريقة عادلة، توازن بين مصالح جميع الأطراف.
في هذا الاطار يقول يقول المحاسب عبد الرحيم السالمي، إن “القانون المرتقب قد يكون خطوة نحو تحرير القطاع المصرفي، لكنه يحمل مخاطر كبيرة على الأسر والشركات الصغيرة، التي قد تجد نفسها تحت وطأة ممارسات تحصيل قاسية”.
وأضاف السالمي: “الدول التي اعتمدت سياسات مشابهة، مثل إيطاليا وإسبانيا، شهدت انتهاكات واسعة لحقوق المدينين، حيث تحولت هذه السوق إلى وسيلة للضغط الاجتماعي والاقتصادي على الفئات الهشة”.
أما الدكتورة نهاد صروخ، الباحثة في الاقتصاد بجامعة محمد بن عبدالله فاس، فتؤكد أن “بيع الديون المتعثرة قد يؤدي إلى تعميق الفجوة الطبقية، إذ سيتعرض المدينين لضغوط هائلة من طرف شركات التحصيل التي تُعرف بأساليبها الصارمة. مشيرة الى انه ولا” هذا القانون في حال دخوله حيز التنفيذ، لابد أن يرافق بتدابير صارمة لحماية حقوق الاسر والمواطنين وضمان شفافية العملية”.
ويُشكل مشروع القانون المزمع، مصدر قلق كبير للشركات الصغيرة والمتوسطة، التي تمثل أكثر من 90% من النسيج الاقتصادي في المغرب. ويشير الأستاذ إدريس بوهلال، الباحث في الاقتصاد، إلى أن “الشركات الصغيرة غالباً ما تلجأ إلى الاقتراض بسبب ضيق هوامشها الربحية، وبيع ديونها لشركات متخصصة قد يُفقدها فرصة إعادة التفاوض مع البنوك على شروط السداد”.
ويضيف بوهلال: “في ظل غياب سياسات تدعم هذه الشركات، مثل برامج جدولة الديون أو تخفيف الأعباء الضريبية، فإننا أمام خطر تعريضها للإفلاس، مما سيؤدي إلى زيادة البطالة وتراجع النمو الاقتصادي”.







