يواصل المكتب الوطني للسكك الحديدية، بقيادة محمد ربيع الخليع، إطلاق صفقات ضخمة بمبالغ مالية وُصفت بـ”الفلكية”، في إطار مشروع تعزيز القدرة السككية بين القنيطرة ومراكش مرورًا بالدار البيضاء، بتكلفة إجمالية تجاوزت 12 مليار درهم (حوالي 120 مليار سنتيم)، وفقًا لوثائق رسمية حصل عليها موقع “نيشان“.
هذه المشاريع، التي تركز على تحسين البنية التحتية للقطارات فائقة السرعة، أثارت تساؤلات كبيرة حول أولويات الإنفاق العمومي وجدوى هذه الاستثمارات بعد تنظيم الحدث العالمي المنتظر في 2030. فبالرغم من أهمية المشاريع في تعزيز قطاع النقل السككي، فإن هناك مخاوف بشأن العائدات الاقتصادية والاجتماعية لهذه الاستثمارات بعد انتهاء البطولة، في ظل تزايد الأصوات المشككة في تأثيرها بعيدًا عن الأهداف القصيرة المدى.
الوثائق تشير الى أن الصفقات الجديدة، تتوزع على أربع حصص رئيسية تشمل أعمال البنية التحتية والخطوط الكهربائية والهندسة المدنية. وقد تم منحها إلى شركات وطنية ودولية بناءً على معايير فنية ومالية. إلا أن هذه الاستثمارات تواجه انتقادات متزايدة، إذ يفتقر الكثير منها إلى رؤية واضحة حول الجدوى الاقتصادية والاجتماعية بعد انتهاء البطولة العالمية.
في هذا السياق، تقدم التجارب الدولية أمثلة حية تعزز المخاوف المرتبطة بمشاريع ضخمة مماثلة. فعلى سبيل المثال، استثمرت جنوب إفريقيا مليارات الدولارات في مشاريع بنية تحتية ضخمة خلال تنظيمها لكأس العالم 2010، لكن بعد الحدث وجدت نفسها أمام منشآت شبه مهجورة وضغوط مالية خانقة. كذلك، البرازيل التي نظمت كأس العالم 2014 والألعاب الأولمبية 2016 استدانت مبالغ ضخمة لتطوير البنية التحتية، لكنها عانت من أزمات اقتصادية وتضخم متزايد بعد انتهاء التظاهرات، وسط ضعف استغلال المنشآت وارتفاع كلفة صيانتها.
وتفتح هذه التجارب الدولية الباب للتساؤل حول السيناريو الذي قد يواجهه المغرب إذا استمرت الاستثمارات الحالية دون تقييم جدي للجدوى الاقتصادية والاجتماعية. إذ تعتمد معظم المشاريع المعلنة بشكل كبير على القروض الخارجية، مما يزيد من أعباء الديون العمومية التي وصلت إلى مستويات قياسية في السنوات الأخيرة. وتؤكد تقارير البنك الدولي وصندوق النقد الدولي أن المغرب يعاني من هشاشة مالية نتيجة ارتفاع الدين العام وضعف معدلات النمو، ما يفاقم من المخاطر المرتبطة بهذه الاستثمارات غير المدروسة.
من جهة أخرى، تشير مصادر مطلعة إلى أن التركيز على مشاريع القطارات فائقة السرعة، رغم أهميتها، يفتقد إلى التوازن في استراتيجية تطوير قطاع النقل. إذ لا تزال العديد من المدن المغربية تعاني من نقص حاد في الربط السككي والخدمات اللوجستية، في وقت يعاني فيه المواطنون يوميًا من مشاكل متعلقة بتأخير القطارات واكتظاظها، إضافة إلى تدهور جودة الخدمات المقدمة.
وتستمر التبريرات الرسمية للمكتب الوطني للسكك الحديدية بالحديث عن ضرورة مواكبة الحدث العالمي المتمثل في تنظيم كأس العالم 2030، وتحقيق نقلة نوعية في شبكة النقل السككي. إلا أن هذه التبريرات تواجه شكوكًا عميقة في الأوساط المهنية والشعبية، بسبب غياب تفاصيل واضحة حول معايير اختيار الشركات المنفذة للصفقات، إضافة إلى عدم وجود خطة استراتيجية لاستغلال هذه المشاريع بعد انتهاء البطولة، مما يزيد من القلق حول عقلانية هذه الاستثمارات.
ويسعى المكتب الوطني للسكك الحديدية للحصول على 8.8 مليار دولار من مستثمرين لتمويل خطته التوسعية، بحسب ما أعلن رئيس البنك الإفريقي للتنمية أكينوومي أديسينا.
وأضاف أديسينا، للصحفيين في ساعة متأخرة من مساء الجمعة الفائت، بعد ختام منتدى الاستثمار في إفريقيا الذي استمر ثلاثة أيام في الرباط، أن المستثمرين مستعدون لتمويل المكتب الوطني للسكك الحديدية في المغرب بأكثر من المبلغ المطلوب، مشيرا إلى أن إجمالي عروض التمويل تجاوز 13 مليار دولار.
يأتي ذلك في وقت يرزح فيه المكتب ذاته، تحت وطأة مديونية بلغت حدودًا غير مسبوقة في السنوات الأخيرة، مما يزيد من القلق بشأن استدامة مشاريعه التوسعية. إذ تشير التقارير المالية إلى أن الدين العام للمكتب قد فاق الحدود المسموح بها، مما يهدد قدرته على تسديد الالتزامات المالية في المستقبل القريب. ورغم العروض التمويلية الكبيرة التي قوبلت بها خطط التوسع، يظل التساؤل قائمًا حول قدرة المكتب على استغلال هذه الأموال بشكل فعال، وضمان تحقيق المداخيل المتوقعة التي تبرر حجم الاستثمارات.
وكانت الوثائق المرفقة بمشروع قانون المالية 2025 قد أظهرت بدورها أن المكتب الوطني للسك الحديدية يعيش حالة استدانة مرتفعة تزيد عن 4200 مليار سنتيم. ورغم ذلك، تعتزم المؤسسة إنفاق 8700 مليار على مشاريع المونديال، والتي تهم أساسا الخط فائق السرعة بين القنيطرة ومراكش، وشبكة القطارات الإقليمية.
ويعول المكتب على توقيع عقد برنامج مع الدولة لأجل تنفيذ كل هذه المشاريع التي ستغير وجه المملكة على مستوى البنية السككية، لكنها قد تضع هذه المؤسسة أمام شبح استدانة غير مسبوقة في تاريخها، خاصة في ظل ضعف الحكامة وعدم قدرة المؤسسة على تحقيق أرباح كبيرة لتعويض تكاليف هذه المشاريع.
وتتجاوز هذه الاعتمادات التكلفة الإجمالية لتأهيل الملاعب وفقًا لمعايير الاتحادين الإفريقي والدولي لكرة القدم، وبناء الملعب الجديد لبنسليمان حيث تصل هذه الكلفة إلى حوالي 20 مليار درهم.







