ما إن بدأت الهدنة بين حزب الله وإسرائيل، حتى أطلقت فصائل المعارضة السورية هجوما مضادا ضد قوات بشار الأسد، استعمِل فيه عتاد حربي متطور، وانتهى بسقوط سريع للنظام، أدهش المحللين السياسيين والعسكريين والاستراتيجيين، وحيَّر المتابعين النبيهين لما يجري في الشام منذ أكثر من عقد. مبعث الدهشة أن ما عجزت عنه الدول الغربية وتركيا وإمارات الخليج خلال أكثر من عشر سنوات، تحقق في عشرة أيام، في سياق إقليمي خاص، يتميز بمواجهة حاسمة بين إسرائيل و”محور المقاومة”، الذي يعتمد على سوريا كمنصة لنقل السلاح إلى التنظيمات التي تقاتل إسرائيل في لبنان وفلسطين…
حتى لو كنا نأكل التبن، من الصعب أن نصدق أن المعارضة السورية شربت حليب السباع فجأة وأسقطت الأسد في هذا الظرف الدقيق بالذات، دون اتفاق سياسي بين من يصنعون المطر والجو المشمس في الشام، وهم تركيا وروسيا والولايات المتحدة الأمريكية.
في انتظار أن يُسلَّط الضوء كاملا على تفاصيل الساعات الأخيرة من حكم الديكتاتور، نستطيع أن نفهم الخطوط العريضة لما جرى، من خلال ترتيب الوقائع، وقراءة التصريحات، ورصد المواقف في مختلف العواصم.
الحسم العسكري لفصائل المعارضة، ودخول دمشق بالسهولة التي رأينا، ما كان ليتم دون دعم عسكري من تركيا وإسرائيل وبعض الدول الغربية، وهو في كل الأحوال ثمرة اتفاق سياسي بين اللاعبين الكبار على الخريطة السورية، يحفظ لكل طرف مصالحه.
روسيا تملك قاعدتين عسكريتين في حميميم وطرطوس، وقوات النظام، مهما بلغت درجة إنهاكها، لا يمكن أن تسلم دمشق دون إطلاق رصاصة واحدة، ما عدا لو طُلِب منها ذلك، ناهيك عن القوات الإيرانية وعناصر حزب الله، الذين لا يمكن أن يتخلوا بسهولة عن عمقهم الاستراتيجي، مهما كانت التضحيات، لكنهم لن يقاتلوا وحدهم، دون الجيش السوري.
واضح أن تسليم دمشق كان قرارا سياسيا، يقف وراءه الثلاثي المعني عن كثب بالوضع في سوريا: ترامب وبوتين وأردوغان.
الرئيس الأمريكي المنتخب يحمل إعجابا خاصا بالديكتاتوريين ولا يخفي ذلك. يستطيع أن يعقد معهم صفقات سياسية، مهما تعارضت المصالح وتباعدت المواقف.
بعودته إلى البيت الأبيض، تُجدّد الإدارة الامريكية صلتها بالصفقات السياسية، كطريقة مثلى لحسم النزاعات، وتغيير الخرائط، وتحقيق اختراقات دبلوماسية وعسكرية.
خلال ولاية ترامب الأولى، نتذكر “اتفاقات أبراهام”، واللقاء المفاجئ مع الديكتاتور الكوري الشمالي، والعلاقات المتواطئة مع فلاديمير بوتين ورجب طيب أردوغان…
وإذا كانت أنقرة أكبر الرابحين فيما يجري بسوريا، فإن طهران أكبر الخاسرين. المعادلة التي أمضى قاسم سليماني في بنائها عشرين عاما، انهارت خمس سنوات بعد اغتياله. بسقوط الأسد وعودة قاتل سليماني إلى البيت الأبيض، لم يعد لدى النظام الإيراني من خيار آخر، إذا أراد الاستمرار، غير تسليح برنامجه النووي والإعلان عن امتلاك القنبلة الذرية، وإلا لن يكون مصيره مختلفا عن نظام صدام حسين ومعمر القدافي وبشار الأسد.
ترامب قدم لبوتين هدايا ثمينة في أوكرانيا، ستظهر تفاصيلها قريبا، مقابل رفع يده عن الأسد، ونقله للعيش في موسكو، لذلك لم يطلق الجيش السوري رصاصة واحدة دفاعا عن دمشق!
إلى جانب تركيا، الرابح الأكبر في ما يجري من تغيرات جذرية في الشرق الأوسط هو بنيامين نتانياهو. لأول مرة في تاريخ المواجهة بين العرب وإسرائيل تسيطر الدولة العبرية على كيلومترات كبيرة في الأراضي العربية دون أن تطلق رصاصة واحدة. نتانياهو دمر الأسطول البحري السوري عن بكرة أبيه وعددا هائلا من المراكز العسكرية ومخازن الأسلحة، وأصبحت القوات الإسرائيلية على بعد خمسة وعشرين كيلومترا من دمشق، بعد اكتساح المنطقة العازلة في الجولان المحتل ونشر قواتها على جبل الشيخ، في انتظار مضاعفة سكان الهضبة من الإسرائيليين… إنه الإنجاز الكبير الذي قدمته “هيئة تحرير الشام” للقضية الفلسطينية والمعركة مع إسرائيل!
توسّع المواجهة العسكرية في الشرق الأوسط وأوكرانيا ولعبة المحاور، تشكل قاعدة صلبة لاندلاع حرب عالمية لا تبقي ولا تذر، يستعمل فيها السلاح النووي. الهزيمة في موسكو أو طهران تعني انهيار النظام. ترجمة ذلك أن روسيا يمكن أن تستخدم السلاح النووي التكتيكي وإيران يمكن أن تعلن عن قنبلتها النووية… لم يكن العالم يوما على حافة الهاوية مثلما هو عليه الآن!
ما وراء سقوط الديكتاتور!







