مرت أيام على سقوط الأسد ودخول معارضين دمشق، بكل تلويناتهم ومسانديهم ومموليهم ومخططي تحركاتهم في هذا الزمن التاريخي متسارع الخطى، لكي يغيروا واقعا مقيتا دكتاتوريا هيمن على سوريا وعلى كثير من النخب المنافقة. سال لعاب نخبة لحب ثروة اغرتهم بها أنظمة تشتري الضمائر بسهولة. ودخل دولار إلى جيوب عملاء بإسم قومية صدامية أو قذافيه جماهيرية أو شيعية بترولية، وصنع البعض حلما، و هم في عز اليقظة والوعي، بأهمية المال في كتابة الوقائع لاحتلال المواقع. انتشى بعض المغفلين بانتصار حققه جمع من الحركات ” الإسلامية ” في زمن قياسي في سوريا. نسي شعب سوريا، كما تنسى شعوب العالم، أن حدث اقتلاع ال الأسد من قصورهم في سوريا لم يكن ليحدث لولا توفير الغطاء اللازم دوليا وإقليميا لشرعتنه. احتفلت أغلب فئات الشعب السوري، وهذا حقهم، وحاولت قلة فهم ما يجري في الكواليس. تكاثرت الصور المنشورة، بسرعة البرق، على الفضاء الأزرق. ازدحام في المسجد الأموي بدمشق وازدحام سيارات فاخرة في اقبية، قيل أنها توجد في القصر الجمهوري، وتناثرت فيديوهات على المنصات بحجم كبير. صور قليلة عن إفراغ السجون، رغم أن السجن الأكبر يوجد تحت أحد أفخم الأحياء الدمشقية وهو حي المزة.
سقط الأسد ولا ندري هل سقطت الدولة بين يدي من يريدون أسلمة مجتمع متعدد العقائد والثقافات والممارسات الدينية أم بيد من قبلوا دولة مؤسسات وحريات. يتم بث صور عن عمليات إعدام لموالين لنظام الأسد ولمسؤولين عن المعتقلات وبعض الوزارات. ليست هذه الصور، إن كانت حقيقية، تعبيرا ثوريا عن رغبة في تغيير الأوضاع. قال الشاعر والمفكر ادونيس، وهو العارف بثقل التاريخ وبخطورة الاغتراب المفروض بفعل قرار الدكتاتور، أن تغيير المجتمع أهم من تغيير الحكومات والأنظمة. ماذا تربح سوريا إذا أعاد أحمد الشرع إنتاج ممارسات القاعدة وداعش والأسد.
عبر السوريون عن رغبتهم في دولة مدنية وقواعد ديمقراطية لبناء غد أفضل. ولا يمكن أن يتم تحرير ضحايا الاعتقال السري والتعسفي من سجون كبيرة جدا ويتم في نفس الوقت تكفير الحرية والديمقراطية والتعددية الاجتماعية والسياسية والعقائدية.
يصعب تفكيك أدوات صنع اللعبة التي تجري الآن في سوريا. أوروبا وأمريكا وتركيا وبعض الدول العربية وروسيا والكيان الصهيوني يحيطون بالساحة السورية. رقعة الشطرنج وسبل توطيد أسس التعامل مع قواعد السيطرة على المراحل المقبلة تغلي تحت نار موقدة. لا أحد يضمن حسم الموقف لصالحه. إسرائيل تقصف سوريا ظانة أنها ستتخلص لمدة طويلة من أي خطر قد يأتي من الشام. ولا أحد يضمن دوام الحال الذي يسود الآن. نشر على قنوات عالمية أن أحد القياديين في حركة أحمد الشرع صرح أنهم لا يعادون إسرائيل. تحركت وزارات الخارجية في فرنسا وألمانيا وغيرها من دول الغرب لكي تستعيد موقعا ضاع منها. وتظل الولايات المتحدة ضابطة إيقاع اللعبة في إطار تفاهمات مع روسيا أساسا. وسيظل ما يسمى ” بالشرق الأوسط الكبير” محط مراقبة خلال الشهور أو السنين القليلة القادمة. اقترب وصول ترامب إلى مكتبه بالبيت الأبيض وهو المعروف بأسلوبه الخاص في التعامل مع ثروات دول الخليج ومشروعه، الذي لم يتخلى عليه، والمرتبط ” بالسلام الإبراهيمي” وما يقتضيه من مرور إلى درجة أكبر في مجال التطبيع مع إسرائيل ومجرميها.
يكاد العاقل من المحللين أن يصبح مشككا في كل الخطابات. أصبحنا أكثر يقينا على أن ما جرى خلال العقدين الأخيرين يؤكد أن الحركات الإسلامية من القاعدة إلى داعش مرورا بالنصرة وغيرها من التيارات الدينية التي تأتيها ملايين الدولارات بلا حساب من جهات يعلمونها جيدا. وتتوفر على كافة أنواع الأسلحة ذات التكلفة الكبيرة دون أن تتوقف آليات المراقبة الأوربية والأمريكية على مصادر التمويل مستعملة أقنعة تجاهل العارف. والأغرب أن هذه الحركات تغيب وتصاب بالصمم حين يتعلق الأمر بمصائب الشعب الفلسطيني. لقد بدأت لعبة جديدة بعد تبعات تفجير مركز التجارة العالمي بنيويورك في 11 نونبر 2001. سقطت عدة أنظمة عشر سنوات بعد هذا الحدث ولم تهدأ العاصفة. يشهد العالم نهاية أسطورة ” القانون الدولي” والمنظمات الدولية وسيادة المبادئ الإنسانية. آلاف الضحايا من الأطفال والنساء والشيوخ سقطوا في غزة ولبنان. وكل من شجب الجريمة تذمه منابر مناصري الصهيونية في أوروبا وأمريكا وتتهمه بمعاداة السامية ولو كان ” ساميا”. سيستمر الوضع على ما هو عليه لسنوات في ظل حياد سلبي لجزء كبير من العالم وخصوصا في كبريات دول آسيا. الأمر فيه ما فيه من حسابات كبرى وعدم الكشف عن ما ينتظر هذا العالم المليء بأدوات تدميره. وسيظل الشعب السوري ينتظر الانعتاق من ديكتاتورية لم تمت بعد. لا زال أحمد الشرع قليل الكلام وشحيحا في تعبيره عن تصوراته، وتصورات من فتحوا له طريق الحكم، في مجال شكل الدولة ودستورها. إذا لم تكن دولة مدنية ديمقراطية، فعلى الشرق السلام.
سقط الأسد.. أي أمل في دولة مدنية؟







