سجلت السنة التي نودعها حصيلة فادحة وثقيلة من الفضائح التي توالت بسرعة ووتيرة قاسية، جعلت الرأي العام عاجزًا عن ملاحقة إيقاعها.
فضائح توزعت بين عدة عناوين، ونجحت في حجب الاهتمام عن قضايا بعينها وتسليط الضوء على أخرى، لتبقى الحكومة أكبر مستفيد منها، مادام طوفان الفضائح الذي داهمنا قد ساعدها في الخروج من ورطات كثيرة، ومواقف صعبة، اعتمادًا على خدمة “الهاء” قد لا تكون عفوية بالضرورة.
في هذه السنة عاينا قضايا كبيرة وملفات ساخنة، كما اكتشفنا لعبة التسريبات التي أصبحت عملة مطلوبة في مواقع التواصل الاجتماعي، والتي بفضلها تم تحوير اهتمام الرأي العام شهرًا بعد شهر، بل وأسبوعًا بعد أسبوع.
اليوم أصبحنا أمام عرض وطلب متفاقم، وجوع شديد للفضائحية التي تؤكد أننا مجتمع حافل بالأمراض، وأننا نفضل أن نمدد زمن المشاكل والأزمات المتسفحلة عبر جرعات زائدة من “أفيون” الفضائح بعيدًا عن نقاش تعديلات المدونة وما جاءت به من تحف في بلد صار شعبه مهددًا بالانقضاض في ظل تراجع خطير لمعدل الخصوبة، وانقلاب حاد في الهرم الديموغرافي.
لعل ما يتعين الانتباه إليه هو الكلفة الفادحة لهذا الترويج العبثي والمفرط للنقاش السطحي، وللفضائح، ولخطر النفخ فيهما إلى حد منفلت خلق لنا حالة من الرهاب المجتمعي، والخوف الجماعي من الآخر، وكرس حالة اللاثقة، كما كرس انطباعًا سلبيًا ومقلقًا للغاية مما هو قادم.
هذا التركيز على الفضائح حد الإدمان يتم، للأسف، على حساب الشروخ الكثيرة التي صرنا نعاني منها مجتمعيًا، أمام تفاقم نسب الطلاق، ووصول مستويات العنوسة إلى أرقام قياسية، وتفاقم معدلات الانتحار والعنف والإدمان على المخدرات، واتساع رقعة الأمراض النفسية، وتفشي مظاهر الإحباط واليأس التي تغذيها أعطاب السياسات العمومية، كما يؤججها العجز الحكومي.
هذا الواقع بالتأكيد سيخلق لنا الفضائح بسخاء، لكن الفضائح الحقيقية التي يتعين التركيز عليها كثيرة، وأكثرها إثارة وميوعة هي الوزيعة التي يمارسها رئيس الحكومة وأصدقاؤه ومستخدمو زوجته السابقون، والتي تبقى صفقة التحلية مجرد حبة كرز فوق كعكة كبيرة، مثل كعكة الصحة التي صارت مثل بقرة حلوب لصالح لوبي يتغول يومًا بعد يوم ويمتد مثل ورم سرطاني ليرضع بنهم من المال العام.
اليوم تتحفنا الحكومة بهدايا سامة وتغرقنا في الديون، وتتعامى عن كون مؤسساتنا العمومية أصبحت مهددة بالإفلاس، ومستشفياتنا أصبحت مردافًا للإهانة والموت، في بلد لا يزال يعج بالفساد.
أكبر” هدايا” الحكومة بمناسبة البوناني هي الزيادة القادمة في سعر “البوطا”، وقبلها دورية التسوية الطوعية للوضعية الجبائية التي جعلت مديرية الضرائب تفتح أبوابها يومي السبت والأحد لجمع الملايير، بعد أن انتقلت الحكومة من التمويلات المبتكرة للتنقيب تحت الزليج عن “الكاش” والبقية تأتي..
الحكومة التي شرعت في سحب فتات الدعم المباشر من آلاف الأسر بمنطق “قيد الباكية وعقل على القالب”. هي ذاتها التي شرعت في بيع المستشفيات، وتكريس الاحتكار بأشد أشكاله تغولًا وسط مؤشرات اقتصادية مقلقة تذهب في اتجاه انفلاتها للأسوأ، رغم مساحيق التجميل التي وضعها تصنيف “ستاندرد آند بورز”.
حين يرفع حزب، أو حكومة، شعار الإصلاح، أو “تستاهلوا حسنً” الذي اتضح أنه كان مجرد “سلوكية” لم تُربط بعد، يفترض ذلك وجود تصور متكامل وواقعي، وقبله شجاعة وإرادة سياسية للمضي فيه، من خلال تدابير تحسن حياة المواطنين.
من جملة ذلك إقرار عدالة ضريبية حقيقية، حتى لا نسقط في إرهاق المغاربة بتحملات إضافية يشهد التاريخ على أن كلفتها دائمًا ما تكون باهظة.
ما نعاينه اليوم هو أن الحكومة مصرة على رتق ثقوب ميزانية الدولة من خلال فرض المزيد من العبء المالي على الشعب، ومد اليد للمزيد من الديون الخارجية، وجر البلاد لمستنقع القروض، في مقابل عدم قدرتها على مواجهة تهرب الحيتان الكبار، أو حتى مراجعة امتيازاتهم أو سد ثقوب الريع.
والواقع أن نوايا الدولة في التعامل مع الضريبة أساسا يجسدها بوضوح الإصلاح الذي طُبق في سنة 1984، والذي تبين أن الهدف منه كان فرض ضرائب ناعمة تمكن الدولة من ضخ المزيد من الموارد في مقابل تقليص النفقات دون وجع الرأس.
هو أسلوب لا يزال معمولًا به إلى الآن، بل وزاد استفحالًا مع حكومة تمول دون حرج العجز الاجتماعي الفادح من جيوب المغاربة، بعد تخليها عن دعم المحروقات والغاز في أفق تطبيق نفس الوصفة على السكر والدقيق، وربما الهواء الذي نتنفسه…؟
هذا في انتظار أن تفرج الحكومة عن وصفتها المسمومة للتخلص من عبء أنظمة التقاعد بتواطؤ مع “مسامير الميدة” الذين يتحكمون في النقابات.
اليوم، 85 في المائة من الأسر المغربية تدهورت معيشتها.
هذا بشهادة المندوبية السامية للتخطيط بعيدًا عن مبررات حرب أوكرانيا وسعر الدولار وكورونا والجفاف.
رقم كافٍ للخروج بخلاصة وحيدة…
هي أننا نسير على المستوى الاجتماعي “فلحدورة وبلا فرانات”.







