لم تكن بداية سنة 2024 عادية في المغرب. فقد كانت أولى أيامها بداية قصة مثيرة عنوانها “إسكوبار الصحراء”. ففي نهاية 2023 تفجرت القضية، لتبدأ التفاصيل تتكشف مع أولى أيام سنة 2024، حيث ستسقط عدد من الأسماء الكبيرة من أبرزها سعيد الناصيري، البرلماني والرئيس السابق لفريق الوداد البيضاوي، وعبد النبي بعيوي، رئيس مجلس جهة الشرق والمقاول الشهير الذي نالت شركته صفقات كبيرة لفائدة مؤسسات الدولة.
“إسكوبار الصحراء”، زعيم الظلال الذي جعل من الصحراء معبرًا رئيسيًا لأحد أخطر الشبكات الإجرامية في العالم. اسمه الحقيقي أحمد بن إبراهيم، لكنه نال لقبه “إسكوبار الصحراء” أو “المالي” بسبب نفوذه الكبير في عالم تهريب المخدرات. هذا الرجل، الذي يحمل الجنسية المالية، استطاع بمهارة شيطانية تحويل المنطقة إلى مركز تهريب دولي للحشيش، مستغلا التضاريس الوعرة.
سقوط رؤوس كبيرة
عام 2015، كان العام الذي أميط فيه الستار عن إمبراطورية “المالي” المظلمة، عندما ضبطت السلطات المغربية شحنة هائلة من الحشيش بلغت 40 طنًا. ورغم أن ذلك كان بمثابة ضربة قاصمة، إلا أن فصول القصة الأكثر إثارة لم تبدأ إلا لاحقًا.
مع بداية سنة 2024، تحولت قضية إسكوبار الصحراء من ملف جنائي عاد إلى قصة مثيرة حبست أنفاس الرأي العام. فما إن بدأت المحاكمة حتى تكشفت خيوط شبكة معقدة تورطت فيها شخصيات بارزة من عالم الرياضة والسياسة، أبرزهم سعيد الناصيري، رئيس نادي الوداد البيضاوي، وعبد النبي بعيوي، رئيس مجلس جهة الشرق.
الجميع كان في حالة ذهول. كيف يمكن لشخصيات بهذا الوزن الاجتماعي والسياسي والرياضي أن تكون جزءًا من عالم الجريمة المنظمة؟ هل هي مجرد اتهامات أم أن خيوطًا أكثر ظلامًا ستظهر مع الوقت وانطلاق المحاكمة؟
اتهامات ثقيلة
صكوك من الاتهامات تلك التي سطرتها النيابة العامة وقاضي التحقيق في حق سعيد الناصيري، الذي واجه إلى جانب بعيوي تهما ثقيلة تتعلق بالتزوير في محرر رسمي باصطناع اتفاقات واستعمالها، المشاركة في اتفاقات قصد مسك المخدرات والاتجار فيها، النصب ومحاولة النصب، استغلال النفوذ، حمل الغير على الإدلاء بتصريحات وإقرارات كاذبة عن طريق التهديد، إخفاء أشياء متحصلة من جنحة، وتزوير شيكات واستعمالها، ومباشرة عمل تحكمي ماس بالحرية الشخصية والفردية قصد إرضاء أهواء شخصية.
وجه أحمد بن إبراهيم تهما بالنصب والسطو على ممتلكاته لشريكيه السابقين، سعيد الناصيري و عبد النبي بعيوي. واتهم “المالي” سعيد الناصيري بالاستيلاء على 5 شقق في ملكيته بمدينة السعيدية، حيث تم تفويتها بمقابل مادي قدره 410 ملايين سنتيم دون دفع هذا المبلغ حسب ما صرح به أحد بن إبراهيم، في وقت أصر الناصيري على أنه اشترى شقتين فقط نظير بيعه سيارة للمواطن المالي الذي لم يكن يملك سيولة لتسديد قيمتها.
كما وجه اتهام السطو على “فيلا” كانت تملكهما زوجة عبد النبي بعيوي، وانتزعها منها عن طريق الابتزازا، قبل أن يتم نقل ملكيتهما بطريقة مشبوهة إلى صهره منه.
أكثر من ذلك، فأن المواطن المالي الحاج بن ابراهيم، أكد أنه خلال فترة سجنه بموريتانيا، كان يملك شقة بمدينة المحمدية قرب محطة القطار، وهي الشقة التي عرضها الناصيري للبيع بمبلغ 250 مليون سنتيم للمالي، واتفقا على 200 مليون فقط تسلهما رئيس الوداد دون أن يقوم بأي إجراء لنقل ملكيتها للحاج المالي، قبل أن يستغل ظروف الأخير كونه معتقلا يالسجن، وتم التغرير به، والاستيلاء على مفاتيح الشقة، وتعريضه لعملية النصب.
تصريحات “المالي” التي ورطت الناصيري وبعيوي كان من بينها أنه سلم سنة 2013 سعيد الناصيري، في إطار نشاطه إلى جانب شبكة الاتجار الدولي بالمخدرات التي يتزعمها عبد النبي بعيوي، مبلغ 100 مليون لتسهيل عملية عبور كمية كبيرة من المخدرات داخل التراب المغربي، إلا أن الناصيري أبلغه أنه خسر المبلغ في “كازينو” بالجديدة، لكن المتهم نفى أي صلة له بهذه العمليات أو توصله بمبلغ من المالي.
ووفق ما كشفه بارون المخدرات خلال التحقيقات، فقد سلم سعيد الناصري، بعد مجيئه إلى فيلا بحي كاليفورنيا، ما يناهز 350 مليون سنتيم قصد تسيير عملية تهريب 15 طنا من مخدر الشيرا عبر التراب المغربي، في وقت أنكر سعيد الناصيري كل المنسوب إليه، دون تبرير الملايير التي كانت تحوّل إلى حساباته البنكية.
“إسكوبار الصحراء”.. محاكمة القرن التي أسقطت الناصيري وبعيوي







