بملفات معقدة والتزامات مالية ضخمة، تسائل قدرة الجهاز التنفيذي على تدبيرها دون رهن الأجيال القادمة بمستويات مديونية غير مسبوقة في تاريخ المملكة، تستقبل حكومة عزيز أخنوش سنة 2025 بعدد من الملفات الحارقة التي تحتاج تدخل الجهاز التنفيذي لمعالجتها.
تظل عدد من الملفات الاجتماعية حاضرة بقوة على أجندة الجهاز التنفيذي. فقد بلغت معدلات البطالة مستويات قياسية، فيما تستمر موجة الغلاء التي تضرب عددا من المواد الاستهلاكية وعلى رأسها اللحوم وزيت الزيتون. وفي ظل وضع يتسم بالجفاف وشح الأمطار، ستواجه الحكومة امتحانا صعبا في تدبير إشكالية الماء في سنة 2025.
ومن الملفات الحارقة التي ستكون حاضرة في أولى أسابيع سنة 2025، هناك ملف التقاعد الذي يبدو أن الحكومة عازمة على حسمه قريبا في ظل الوضع المالي المعقد والمحرج لنظام المعاشات المدنية، واضطرار الدولة في كل مرة إلى التدخل لإنعاش ماليته.
في المقابل، ستكون مشاريع مونديال 2030 حاضرة بقوة خلال هذه السنة، خاصة أن المغرب مقبل على تنظيم كأس إفريقيا للأمم، الأمر الذي سيجعله مطالبا بتسريع مشاريع الملاعب، وإطلاق باقي الأوراش التي تهم البنية التحتية. هذه المشاريع الكبرى تطرح تساؤلات مقلقة حول مصادر التمويل، وكيف يمكن للموارد المالية للدولة أن تتحمل في فترة وجيزة هذه المشاريع الضخمة.
بطالة غير مسبوقة
على رأس القائمة، تظل القنبلة الاجتماعية للبطالة أولى الأولويات. فالأرقام المخيفة التي حملها الإحصاء العام للسكان والسكنى، وحتى التقارير الفصلية حول وضعية قطاع الشغل بالمغرب، تؤكد بالملموس أن ملايين الشباب يوجدون على هامش المجتمع، بدون فرص شغل تمكنهم من العيش بكرامة.
وكشفت المندوبية السامية للتخطيط أنه خلال الفترة ما بين 2014 و2024 انتقل معدل البطالة من 16.2 بالمئة إلى 21.3 بالمائة، مسجلة ارتفاعا غير مسبوق في معدل البطالة، مما يطرح إشكالات عدة.
وحسب نتائج الإحصاء العام للسكان والسكنى 2024، انتقل معدل البطالة من 19.3 إلى 21.2 بالمائة بالوسط الحضري، ومن 10.5 إلى 21.4 بالمئة بالوسط القروي.
وإذا كانت بعض التحليلات ذهبت إلى عدم دقة هذه الأرقام، فإن المعطيات القادمة من الأبحاث الفصلية للمندوبية السامية، والتي تعتبر أكثر دقة مقارنة مت الإحصاء العام تحمل أرقاما خطيرة فيما يتعلق بالبطالة في صفوف الشباب.
وفق معطيات سوق الشغل برسم الفصل الثالث من سنة 2024، يتضح أن معدل البطالة يبقى مرتفعا بين الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و 24 سنة (39،5 بالمائة)، والنساء (20،8 بالمائة)، والأشخاص الحاصلين على شهادة (19،8 بالمائة).
هذه الوضعية تضع الحكومة أمام ملف اجتماعي حارق ينتظر تدخلها ببرامج ناجعة قادرة على امتصاص البطالة، بدل تجريب مبادرات لا تخدم إلا من يفوزون بصفقات ترويجها كما وقع مع “فرصة” وغيرها.
لهيب الأسعار
أغلق المغاربة سنة 2024 دون أن تنطح الحكومة في كبح غلاء أسعار مجموعة من المواد الأكثر استهلاكا. فقد تحولت اللحوم إلى مادة غذائية بعيدة المنال لفئات عريضة، في ظل ارتفاع أسعارها بشكل قياسي وتجاوزها عتبة ال100 درهم.
وإذا كانت الحكومة قد أطلقت مبادرة استيراد اللحوم من الخارج، فإن واقع الأسواق بعيد عن آمال وانتظارات الحكومة والمواطنين أيضا. فمن جهة، يتشبث عدد كبير من الجزارين ببيع هذه اللحوم بأسعار مرتفعة الأمر الذي يضرب في العمق القرار للحكومي، ولا يساهم إلا في تبديد الرسوم التي يفترض أن تستفيد منها خزينة الدولة.
ثانيا، يواجه عدد من المستوردين الذين يرغبون في استيراد كميات كبيرة من اللحوم إشكالية عدم توفر قاعد لوجيستية كبيرة، لاسيما على مستوى سلسلة التبريد، الأمر الذي يجعل الكميات المستوردة محدودة ولا تتجاوز حاجيات الاستهلاك لبضعة أيام أو أسابيع، الأمر الذي يؤثر على تكاليف التخزين والنقل.
لذلك، أمام الحكومة امتحان حاسم لإنهاء لهيب الأسعار الذي لا يضرب فقط اللحوم، بل يشمل أيضا الخضر والفواكه، وزيت الزيتون الذي بلغ 100 درهم للتر، والقائمة طويلة للمواد التي شهدت ارتفاعات مهمة في الأسعار وسط صمت حكومي مطبق.
الجفاف وأزمة الماء
لسنة جديدة يواجه المغرب نقصا واضحا في التساقطات المطرية، الأمر الذي يجعل الحكومة مرة أخرى مدعوة لتسريع مختلف الأوراش والمشاريع الكبرى الخاصة بتحلية المياه، وأن يدخل المغرب في منطق جديد في استهلاك الماء.
إن واقع تدبير المياه في المغرب لازال يتسم بكثير من الفوضى وغياب المراقبة، في ظل استراتيجيات فلاحية تشجع التصدير بدل الاكتفاء الذاتي والتوجه نحو تحقيق تفوق اكبر في قطاعات صناعية ذات مردودية مهمة، دون أن يكون لها أثر كبير على الموارد المائية.
في سنة 2025، ومع توالي سنوات الجفاف التي حولت عددا من المناطق إلى صحراء قاحلة، لا يمكن الاستمرار هذا المنطق الفلاحي الذي جعل فاكهة مستنزف للماء مثل “الأفوكادو” تتحول إلى فاكهة أساسية في تغذية المغاربة، بينما يفترض أن تقود الحكومة استراتيجيات فلاحية تنسجم مع الواقع المناخي للبلاد.
ورطة التقاعد
أغلقت حكومة عزيز أخنوش بإلقاء ورقة إصلاح التقاعد أمام أعضاء مجلس النواب، الأمر الذي يجعل سنة 2025 حاسمة للوصول إلى خطة الإصلاح التي تعتزم الحكومة تنفيذها قبل نهاية ولايتها سنة 2026.
عمليا، حتى وإن كانت الحكومة تتجه للتوافق مع النقابات حول خطة الإصلاح التي تعتزم تنزيلها، إلا أن تجربة مشروع القانون التنظيمي للتقاعد ومشروع القانون الخاص بإدماج “كنوبس” في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، تؤكد أن الحكومة لن ترهن رؤيتها بموافقة النقابات عليها.
وأعلنت وزيرة الاقتصاد والمالية نادية فتاح، بمجلس النواب، أن الحكومة ستقدم عرضا أوليا حول إصلاح أنظمة التقاعد في شهر يناير المقبل. وأكدت الوزيرة أن هذا الإصلاح يرتكز على الأسس التي تم الاتفاق عليها في إطار الحوار الاجتماعي والمتمثلة أساسا في إحداث قطبين عام وخاص، وتحديد آليات الانتقال إلى منظومة جديدة مع الحفاظ على الحقوق والمكتسبات، بالإضافة إلى تحسين الحكامة.
عموما، فإن موظفي القطاع العام ينظرون بتشاؤم كبير لخطة الإصلاح التي ستطرحها الحكومة بعد التجربة السابقة في عهد حكومة عبد الإله بنكيران التي كان لها وقع سلبي على مكتسباتهم. وإذا كانت الحكومة لم تفجر بعد خطتها، فإن الراجح هو رفع السن إلى 65 سنة، مع التوجه لإقرار زيادة في نسبة الاقتطاعات، ومراجعة طريقة احتساب المعاشات.
تمويل مشاريع المونديال
بعيدا عن الملفات الاجتماعية الحارقة، يطرح تنظيم المونديال والاوراش الضخمة التي تم إطلاقها، من تشييد الملاعب وتمديد خط السكك الحديدية السريع وطرق سيارة ومستشفيات وغيرها، تحديا وضغوطات كبيرة على الميزانية العامة للدولة، ما يثير تساؤلات حول الكيفية التي ستمول بها الحكومة هذه المشاريع، دون إغفال باقي الأوراش المفتوحة وعلى رأسها ورش الحماية الاجتماعية.
إحدى الدراسات التي أنجزتها مؤسسة “صوجي كابيتال جستيون”، كشفت أن التكلفة الإجمالية للتنظيم المشترك لمونديال 2030 ستتراوح ما بين 15 و20 مليار دولار، وهي تكلفة تقارب التكلفة المتوقعة لتنظيم مونديال 2026 الذي تنظمه ثلاث دول ( أمريكا وكندا والمكسيك).
ووفق تقديرات الدراسة، فإن التكلفة بالنسبة للمغرب ستكون فيما بين 5 و6 مليار دولار (ما بين 50 و 60 مليار درهم) حيث يتوقع أن يحتضن المغرب 30 مباراة بستة مدن وهي الدار البيضاء والرباط وطنجة وأكادير ومراكش وفاس.
وبذلك، سيتم الاعتماد، وفق هذه الدراسة، على ثلاثة مصادر التمويل منها الميزانية العامة للدولة التي ستتحمل تكاليف بناء وتجديد الملاعب ومراكز التدريب ما بين 2024 و 2030 وذلك بما يناهز 25 مليار درهم.
أما المصدر الثاني للتمويل فهو المقاولات العمومية، التي ستمول المشاريع المتعلقة بالبنيات التحتية وشبكة النقل والمواصلات سيكون من قبل المؤسسات والمقاولات العمومية ذات التسيير المستقل وذلك عن طريق القروض البنكية أو اللجوء إلى سوق السندات الداخلي، وتصل الكلفة على هذا المستوى إلى 17 مليار درهم.
أما المصدر الثالث بحسب الدراسة، تتجلى في مصادر تمويل أخرى من مثل إمكانية اللجوء إلى القروض الخارجية الميسرة والمساعدات من بلدان أخرى من أجل تمويل تكاليف الجوانب التنظيمية، بهدف تغطية تمويل بـ 10 ملايير درهم.
هذه الأرقام تظل تقريبية، على اعتبار أنها تتحدث عن المشاريع التي لها علاقة مباشرة بالمونديال. بيد أن التكلفة قد تكون مرتفعة بشكل أكبر، على اعتبار أن المغرب يرغب في تحويل فرصة المونديال إلى ثورة حقيقية في مجال البنية التحتية. وكمثال على ذلك، يعتزم المكتب الوطني للسكك الحديدية أن يستثمر لوحده 87 مليار درهم بين 2025 و2030، الأمر الذي يطرح تساؤلات كبيرة حول مدى قدرة الموارد المالية للدولة على تغطية كل هذه النفقات.







