سجل الاقتصاد المغربي في الربع الثالث من عام 2024 نموًا ملحوظًا، حيث أظهرت المؤشرات الاقتصادية غير الفلاحية ارتفاعًا بنسبة 5.1% مقارنة بـ3.2% في النصف الأول من العام. لكن رغم هذا الانتعاش، يبقى القطاع الفلاحي أحد العوامل الرئيسية التي تحد من تسارع النمو، ويطرح تساؤلات حول ما إذا كان هذا النمو المستمر في القطاعات غير الفلاحية سيكون كافيًا لتعويض الاكراهات الهيكلية التي يواجهها القطاع الفلاحي.
وتتوقع التقارير أن يستمر الاقتصاد في النمو مع بداية عام 2025، لكن مع حالة من الحذر المرتبطة بالعوامل المناخية التي قد تؤثر بشكل كبير على القطاع الزراعي. وفيما يخص قطاع الخدمات، سجل زيادة بنسبة 3.8%، مدعومًا بتحسن الطلب الداخلي، حيث ارتفعت استهلاكات الأسر بنسبة 3.9%، وزاد الاستثمار بنحو 13.5%. لكن ورغم هذه المؤشرات الإيجابية، لم تنجح هذه الدفعة في خفض نسبة البطالة، التي بقيت مرتفعة فوق 13% لخمسة أرباع متتالية.
وفي سياق هذه المعطيات، أكد اقتصاديون أن التحسن الكبير في بعض القطاعات لا يمكن أن يخفي الواقع الصعب الذي يعيشه القطاع الفلاحي، وهو ما يتطلب إجراءات حكومية عاجلة لتقليص تأثير التغيرات المناخية وتحقيق تنمية مستدامة. وأشاروا إلى أن النمو الذي تحقق في القطاعات غير الفلاحية قد لا يكون كافيًا للتعويض عن التحديات الهيكلية التي يواجهها الاقتصاد بشكل عام.
نمو القطاع غير الفلاحي: هل هو مستدام؟
الأرقام تشير إلى أن النشاط الاقتصادي غير الفلاحي شهد انتعاشًا قويًا في الربع الثالث من عام 2024، حيث سجل نموًا بلغ +5.1% مقارنةً بـ +3.2% في النصف الأول من العام. هذا النمو جاء مدعومًا بزيادة الطلب من الأسواق الأوروبية والآسيوية، مما انعكس إيجابيًا على القطاعات الصناعية المختلفة مثل الكيمياء، والإلكترونيات، والسيارات، ما يعكس مرونة هذه القطاعات في مواجهة التحديات الاقتصادية العالمية.
مصطفى سعيد، أستاذ باحث في الاقتصاد في جامعة محمد الخامس، يشير إلى أن “هذه الزيادة في النمو الصناعي قد تكون مؤقتة، وتعتمد بشكل كبير على الأسواق الخارجية. في حال حدوث أي تقلبات في تلك الأسواق، قد يتباطأ النمو بشكل مفاجئ”. وأضاف أن “القطاع الصناعي لا يزال يعاني من ضعف في القدرة على التوسع المحلي، ما يحد من قدرته على تحقيق نمو مستدام”.
الفلاحة… العبء الاقتصادي المخفي
بينما يحقق القطاع غير الزراعي انتعاشًا، يظل القطاع الزراعي يشهد تراجعًا مستمرًا بسبب التغيرات المناخية. فعلى الرغم من أهميته البالغة في الاقتصاد الوطني، لم ينجح القطاع الزراعي في مسايرة هذا النمو المتسارع في القطاعات الأخرى. ففي تقرير للمندوبية السامية للتخطيط، تبين أن الإنتاج الزراعي شهد انخفاضًا بنسبة 4.5% في الربع الثالث من العام، ما يهدد بتراجع حاد في إجمالي الناتج المحلي في حال استمرار هذه التوجهات.
وفي هذا السياق، قال مصطفى سعيد “المغرب يعاني من هشاشة في قطاعه الزراعي، الذي لا يزال يعتمد بشكل كبير على موسم الأمطار، وهو ما يعرض الاقتصاد الوطني لعدة مخاطر”. وأضاف بلحاج: “المخططات الحكومية تحتاج إلى التركيز على تعزيز تقنيات الزراعة المستدامة لمواجهة هذه التقلبات المناخية”.
الطلب الداخلي والخارجي: محركان متناقضان
تعكس زيادة الإنفاق الاستهلاكي من الأسر، الذي سجل ارتفاعًا بنسبة 3.9% في الربع الثالث من 2024، تحسنًا في القدرة الشرائية للمواطنين، وهو ما يعزز من قوة الطلب المحلي. وقالت فاطمة الزهراء، خبيرة في الاقتصاد الاجتماعي: “رغم تحسن الاستهلاك المحلي، فإن هذا النمو مرتبط بشكل وثيق بالاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، الذي يبقى هشًا في ظل ارتفاع معدلات التضخم والبطالة”.
وفي المقابل، تظهر التجارة الخارجية أيضًا تقلبات ملحوظة. ورغم الزيادة في الصادرات إلى الأسواق الأوروبية والآسيوية، إلا أن هذه النتائج لا تخفي القلق حول تأثر الاقتصاد المغربي بالتوترات التجارية العالمية. ومع تزايد الطلب على السلع الاستهلاكية العالمية، قد يواجه المغرب تحديات في الحفاظ على توازن صادراته.
المستقبل: هل يمكن أن يصمد الاقتصاد المغربي في وجه التحديات القادمة؟
من المتوقع أن يواجه الاقتصاد المغربي مزيدًا من التحديات في العام المقبل، حيث تشير التوقعات إلى تباطؤ النمو في الربع الأخير من 2024. وبحسب تقرير بنك المغرب، من المتوقع أن يصل نمو الناتج المحلي الإجمالي إلى 3% في الربع الرابع من العام، ليعود ويتسارع إلى 3.5% في الربع الأول من 2025، شرط أن تشهد البلاد فصلًا شتويًا مطيرًا يساعد على تعويض النقص في الإنتاج الزراعي.
وأضاف الباحث مصطفى سعيد: “في حال استمرت الحكومة في تطوير استراتيجيات طويلة الأمد لدعم القطاعات غير الزراعية، مع التركيز على تحسين القطاع الزراعي، فإن الاقتصاد المغربي قد يكون قادرًا على التغلب على التحديات القادمة. لكن ذلك يتطلب استثمارات ضخمة في البنية التحتية الزراعية والمشروعات المستدامة”.
هل هذا النمو حقيقي؟
في ظل هذه المعطيات، تبقى الإجابة عن السؤال المركزي “هل هذا النمو المستمر يعكس انتعاشًا حقيقيًا للاقتصاد المغربي؟” محط شكوك. وفي الوقت الذي يحقق فيه القطاع الصناعي نجاحًا مؤقتًا بفضل زيادة الطلب الخارجي، يبقى القطاع الفلاحي عاجزًا عن مسايرة هذا النمو. الأمر الذي يبرز ضعفًا هيكليًا في الاقتصاد المغربي، والذي يتطلب المزيد من الاستراتيجيات الشاملة لدعمه وتنويع مصادره.







