مع استلام دونالد ترامب مقاليد السلطة في الولايات المتحدة الأمريكية، يدخل العالم مرحلة من الدوار، يمكن أن تنتهي بسقطة مدوية لم يعرفها منذ عقود طويلة. السفينة تبحر بثبات نحول المجهول، والربان مجنون.
الرجل يحمل أفكارًا مخيفة، تحركها الأنانية والعنصرية والانتشاء بالقوة، لم يستطع أن يضعها حيز التنفيذ خلال ولايته الأولى، بسبب دهشة الاكتشاف، وانعدام التجربة، ولعنة كورونا التي أصابت نهاية ولايته، ومنعته من ربح الانتخابات أمام جو بايدن. لكن صاحب الشعر البرتقالي والكرافاتة الحمراء يملك اليوم أربع سنوات كاملة كي يتدارك ما فات، ويلعب بالأزرار، وينفذ مشاريعه العصية على التصديق. بخلاف الولاية السابقة، يعرف “ترامب الثاني” كل زوايا البيت الأبيض، ويدرك خبايا السلطة ومقالبها، ولن يضيع وقتا في اكتشاف المكان والمنصب، لذلك سيكون مروره من الرئاسة مناسبة لقلب المعادلات ومراجعة البديهيات في الولايات المتحدة وعبر العالم.
الرئيس الجديد- القديم لم ينتظر بداية الولاية كي يجهر بمطامعه الامبريالية، في كندا وبنما والدنمارك، حيث يريد ضمّ أراض جديدة إلى الولايات المتحدة الأمريكية، باسم المصلحة الوطنية و”المجال الحيوي”، بكل بساطة. علما أن “المجال الحيوي” شعار نازي تسبب في الحرب العالمية الثانية. كثير من السياسيين والعسكريين والمحللين والخبراء والحلفاء والأعداء، لم يستوعبوا بعد ما بدر عن ترامب، ولا يصدقون أن رئيس أقوى دولة في العالم يفكر في “استعمار” دول مجاورة وأخرى بعيدة… في 2025. صدق أولا تصدق. لا يعرفون هل عليهم أخذ الرئيس الطريف على محمل الجد أم اعتبار تصريحاته مجرد مزحة؟ مع الأسف، يعلمنا التاريخ أن الواقع يتحول أحيانًا إلى كابوس، والمستحيل يتحقق بسلاسة مدهشة…
بتصريحاته ونواياه المعلنة، يجعل ترامب من تحريك الحدود بين الدول مسألة عادية، تصبّ في صالح من يملك القوة، وتلك سابقة في غاية الخطورة، لأنها تسلم شهادة وفاة رسمية للقانون الدولي، وكل مؤسساته، التي تشكلت بعد الحرب العالمية الثانية، وعلى رأسها الأمم المتحدة. كما يقدم هدية ثمينة إلى فلاديمير بوتين، لأنه يقلّل من خطورة تدخله العسكري في أوكرانيا، ويشجعه على مغامرات أخرى في بلدان الاتحاد السوفييتي البائد، مادامت تشكل “مجالا حيويا” لروسيا، ومادام بوتين متفوق عسكريا على جيرانه، مثلما يمنح شرعية لطموحات رجب طيب أردوغان التوسعية، لاستعادة النفوذ العثماني، ولكل الدول التي لديها مطامع في أراضي الجيران… بأيّ منطق نستطيع منع الصين غدا من ضمّ تايوان؟
ترامب يفتح الباب واسعا أمام أي دولة كي تضمّ دولة أخرى أو جزء منها، باسم التاريخ والجغرافيا والاقتصاد والسياسة والدين، شريطة أن تكون لديها القوة الكافية كي تحقق ذلك. إنه يعيد عقارب الساعة أكثر من قرن إلى الوراء، ويحيي دينامية الإمبراطوريات الاستعمارية!
صحيح أن سياسة الولايات المتحدة الأمريكية كانت دائما مبنية على مصلحتها أولا، ومعادية للشعوب، لكن الخطاب كان يخفي ذلك على الأقل، بقي هناك نوع من الخجل في التصريح بالنوايا، مما يعكس حدّا أدنى من احترام القانون، والحفاظ على الاستقرار العالمي، وكلما اتُّهِمَتْ واشنطن بالكيل بمكيالين تحاول أن تنفي ذلك قدر المستطاع، مما يعني الإقرار ضمنيا أن ذلك مخالف للقانون والمنطق والأخلاق. كل ذلك أصبح اليوم من الماضي. ترامب متصالح مع الظلم والغطرسة والعنجهية، والكيل بأكثر من مكيال، ولا تزعجه المجاهرة بذلك، ما يهمه هو مصلحة بلاده فقط. لنتأمل الموقف مما يجري في غزة بين الإدارتين. كلاهما يدعم إسرائيل دون قيد أو شرط. وإذا كان بايدن لم يتوقف عن مدّ نتانياهو بالسلاح والتغطية على جرائم الحرب الإسرائيلية، فإنه ظل يعبر عن أسفه لسقوط الضحايا ويدعي أن واشنطن تسعى للتوصل إلى اتفاق بين تل أبيب وحماس، حفاظا على ماء الوجه. بخلاف ترامب، الذي يتقدم دون قناع، ويهدد بتحويل غزة إلى “جحيم”، إذا لم يتم إطلاق الرهائن الإسرائيليين. كأن هناك جحيما أكبر مما تعيشه غزة منذ أكثر من عام؟ ما عدا إذا كان يريد أن يُهَدِّم المُهَدَّم ويقتل القتيل… عندما يغيب القانون تتحول السياسة إلى بلطجة. مع ترامب، تمر الولايات المتحدة الأمريكية من “إذا ابتليتم فاستتروا” إلى “المجاهرة بالفجور”، ويستكمل العالم تحوله إلى غابة كبيرة!
“ترامب الثاني”







