تعرفون دون شك قصة “الغليض” الذي أوقف طاكسي في الدار البيضاء وسأل “الشيفور”: شحال باش تدّيني لكازا بّور؟ السائق تفحص جثته الضخمة من تحت لفوق ورد عليه : آخويا حنا كنهزو بالكيلو…
هذه النكتة التي تقتل البعض بالضحك، تحولت إلى حقيقة تقتل كثيرين ب”الفقصة” في بعض الرحلات الجوية. عددٌ من شركات الطيران، باتت تفرض على الأشخاص المصابين بالسمنة شراء مقعدين، الإجراء يأتي في سياق التنافس المحموم بين شركات النقل الجوي، التي تعمد إلى تخفيض الأسعار، مقابل تقليص الخدمات وإبداع طرق جديدة لاصطياد النقود من جيوب الزبائن، رافعة شعار: “فرخصو تخلي نصو”… بعض هذه الشركات تتقاسم “الصبر” مع الراكب، وتجعله يدفع خمسين أو خمسة وسبعين في المائة فقط من سعر المقعد الثاني، فيما ترغم أخرى المصابين بالبدانة على حجز مقعدين بثمنهما الحقيقي.
رغم أن الإجراء غير قانوني، ولا يحظى بتأييد الاتحاد الدولي للنقل الجوي، فإن الشركات التي تخلط الماركوتينغ بالاحتيال، لا تتردد في تطبيق زيادة الوزن على “بنادم”، كما تطبقه على “الباگاج”.
الواقع أن تغريم الناس على وزنهم الزائد ينطوي على تمييز عنصري في حق فئة من الناس لم تختر شكلها طواعية. السمنة مرض. ولو تم التساهل مع الإجراء، ما الذي يمنع في المستقبل من تغريم الناس على الرائحة العطنة أو السعال الذي من شأنه أن يزعج الركاب أو أي مرض آخر؟
عدم قانونية الإجراء، لا يعني أن الأشخاص البدينين، لا يطرحون مشكلة على متن الرحلات الجوية. الطائرات غير مصممة من أجلهم، بما في ذلك الدرجة الأولى. معظم الطائرات تحتاج إلى إعادة نظر في هندسة المقاعد، بشكل يجعل بعضا منها تتسع لمن يعانون من السمنة. قبل أشهر، تعرض راكب بدين لموقف محرج على متن “بريتيش ايرلاينز”، في رحلة بين لاغوس ولندن، بعد أن عَلِقَ المسكين في مقعده الضيق ولم يستطع مغادرة الكرسي بعد توقف الطائرة، علما أن “الزغبي” أخذ احتياطاته لتفادي الموقف، وحجز تذكرة في الدرجة الأولى بأكثر من ثمانية الاف يورو. طاقم الرحلة حاول مساعدته لكنه فشل. في النهاية اضطروا إلى خلع أحد أبواب الطائرة لإدخال رافعة ميكانيكية من أجل تحرير الراكب من مقعده. العملية استمرت ثلاث ساعات، والحرج كان باديا على الجميع.
الأشخاص البدينون على متن الرحلات الجوية مشكلة حقيقية، لهم وللاخرين، لا يعرف فظاعتها إلا من جرب الجلوس قرب جار من “العيار الثقيل”. ذات يوم ركبت مع لارام من الرباط في اتجاه باريس. كنت من أوائل الصاعدين إلى الطائرة ومقعدي قرب النافذة. حين وصل جاري الأول، أصبت بالهلع وأنا أحدق في جثته الضخمة، خصوصا أنني أصلا مصاب بفوبيا الطائرات، وجدتني أردد ما قاله عادل أمام في مسرحية “شاهد ما شافش حاجة”: “أنا بخاف من الكلب يطلع لي أسد!”… وتضرعت إلى رافع السماوات بلا عمد أن تمر الرحلة على خير، وعيني على بقية المقاعد لعلني أنتقل إلى أحدها إذا لم يكن له صاحب. جاري بدا مرتاحا وهو يضع أغراضه في المكان المخصص للحقائب، بسهولة واضحة.
في أذنيه سماعات، من تمايله يبدو أنه ينصت إلى أغنية. ألقى علي التحية بلطف، ونشر جثته على المقعد بشكل جعلني ألتصق بالنافذة، ثم واصل هزّ رأسه على إيقاع الأغنية … تمالكت أعصابي وانا انظر إلى “هولك العجيب” شزرا كأي عدو مغتصب!
خاب أملي حين رأيت الطائرة تمتلئ عن آخرها بالركاب، من المستحيل استبدال المقعد! فجأة وصل الشخص الثالث الذي يجلس معنا في الصف، والمفاجأة أنه كان أكثر بدانة من الأول. غلبتني الضحكة. جاءك “كينغ كونغ يا تارك الصلاة… شعرت كأنني انتقمت من جاري السمين ومن سعادته. تحصنت بالحيز الصغير الذي حررته قرب النافذة، فيما تزاحم جاريّ كما يتكدس أربعة ركاب في طاكسي أبيض. مؤخرتاهما لا تكادا تلامسان المقعد. “هولك العجيب”، امتقع لونه وهو يبذل جهدا خطيرا كي يلف حزام السلامة. شعرت أنني أتمتع بمجال حيوي كبير مقارنة مع الجيران. الضيق نسبي في النهاية. في منتصف الرحلة، ذهب “كينغ كونغ” إلى المرحاض، واستغل “هولك العجيب” الفرصة كي ينفس عن حنقه وقال لي متأففا: ليس معقولا، أعتقد ان من يصل وزنه حدا معينا لا بد ان يدفع تذكرتين!
أجبته ضاحكا: التيساع فالقلب آصاحبي!
“التّيساع فالقلب”







